المقريزي

283

المقفى الكبير

الإسلام . هاجر مع امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشيّة العامريّة إلى أرض الحبشة ، وولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة . ثمّ قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بمكّة . فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبيّة والمشاهد كلّها ، وقتل يوم اليمامة شهيدا وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة . فكفل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه محمد بن أبي حذيفة بعد أبيه ، وكان في حجره فربّاه وأحسن تربيته . وقدم عليه مرّة فأجازه بمائة ألف درهم « 1 » . . . . [ 199 أ ] وكان فيما قيل قد أصاب شرابا فحدّه عثمان . ثمّ تنسّك محمد وأقبل على العبادة . وطلب من عثمان أن يولّيه عملا بعد ما بويع بالخلافة ، فقال : لست هناك ، ولو كنت أهلا لذلك لولّيتك . فقال : إنّي ركبت في غزو البحر فائذن لي في إتيان مصر . فأذن له وجهّزه . فلمّا قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظّموه ، حتّى قدم عبد اللّه ابن السوداء [ ابن سبأ ] ودعا إلى بدعته ، [ ف ] كان من أوّل من اشتمل عليه محمد . ثمّ خرج مع عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في غزوة ذات الصواري ، فبدأ يتكلّم في عثمان ويظهر عيبه هو ومحمد ابن أبي بكر ويقولان : قد خالف أبا بكر وعمر واستعمل عبد اللّه بن سعد ، رجلا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أباح دمه ونزل القرآن بكفره ، وأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قوما من المدينة فأدخلهم إليها ، ونزع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واستعمل سعيد بن العاصي وابن عامر . فبلغ ذلك ابن أبي سرح فقال : لا تركبا معنا ! - فركبا في مركب ما معهما إلّا القبط ولم يقاتلا . فقيل لهما في ذلك ، فقالا : كيف نقاتل مع ابن أبي سرح الذي استعمله عثمان ، وقد فعل عثمان كذا وكذا ؟ فبعث ابن أبي سرح يتهدّدهما فلم يرجعا . وكان محمد ركب مع كعب الأحبار في سفينة ، فقال محمّد يهزأ به : تجد في توراتك مجرى هذه السفينة ؟ فقال : أجد في توراتي غلاما من قريش أشعر الإليتين يصبر كما يضبر الحمار في قيده فيقتل ، وإيّاك أن تكونه ! وفسد الناس بمصر على عثمان لقول محمد بن أبي حذيفة وعبد اللّه ابن السوداء وتكلّموا بما لم يكونوا ينطقون [ 199 ب ] به . فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان أنّ محمد بن أبي حذيفة قد أفسد عليّ البلاد هو ومحمد بن أبي بكر . فكتب إليه : أمّا ابن أبي بكر فإنّه يوهب لأبيه ولعائشة . وأمّا ابن أبي حذيفة فإنّه ابني وابن أخي وهو تربيتي وفرخ قريش . فكتب إليه أنّ هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلّا أن يطير . فبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه كسوة . فوضع ذلك في المسجد وقال : يا معشر المسلمين ، ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه ؟ فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان وبايعوه على رئاستهم . فكتب إليه عثمان يذكّره برّه وتربيته إيّاه وقيامه بشأنه ، ويقول : إنّك كفرت إحساني أحوج ما كنت إلى شكري .

--> - أربعين نفرا . انظر سيرة ابن هشام 2 / 2151 . ( 1 ) تتواصل الترجمة بكلام لا صلة له بما سبق : . . . بمائة ألف درهم سعد بن أبي سرح من مصر . فانتقلنا إلى الصفحة 199 أالموالية حيث يتواصل الكلام بصفة منتظمة منطقيّة .