المقريزي

249

المقفى الكبير

لقضاء الأشغال ، وصار يوقّع ويطلق ويركب في المواكب . وأقام الأمير بدر الدين بيليك الخازندار نائبا عن الأمير عزّ الدين أيدمر الحلبيّ . وخرج الملك الظاهر إلى الشام وجعله بديار مصر . فلمّا كان في سنة اثنتين وسبعين خرج الملك السعيد من قلعة الجبل في ليلة الثاني عشر من شهر رمضان ، ومعه عدّة من الأمراء ، من غير أن يشعر بخروجه أحد ، وتوجّه إلى دمشق فدخلها على حين غفلة من أهلها في سادس عشرينه ولم يدر نائب دمشق إلّا وهو في سوق الخيل بين العسكر . فنزل بمن معه وقبّلوا له الأرض . ودخل قلعة دمشق وخلع على أمراء الشام يوم عيد الفطر . وخرج إلى الصيد وسار إلى مصر فوصلها في حادي عشرين شوّال ، وذلك كلّه بتدبير أبيه . ثمّ بعث الملك الظاهر من دمشق الأمير بدر الدين بيليك الخازندار لإحضار الملك السعيد من قلعة الجبل ، فخرج به على خيل البريد في سلخ المحرّم سنة أربع وسبعين ، فدخل إلى دمشق في سادس صفر ، وخرج الملك الظاهر إلى لقائه . ثمّ حضر بعد ذلك طلبه ومماليكه . فأقام بدمشق إلى أن عاد مع أبيه في رجب إلى قلعة الجبل ، فعقد عقده على غازية خاتون ابنة الأمير سيف الدين قلاوون الألفيّ في يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجّة من السنة المذكورة ، وقبل العقد عنه الأمير بدر الدين الخازندار ، وقبله عن الأمير قلاوون الأمير شمس الدين أقسنقر الفارقانيّ . ومبلغ الصداق خمسة آلاف دينار ، المعجّل منها ألفا دينار . وكتب الصداق القاضي محيي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر وقرأه في المجلس . فلمّا مات والده الملك الظاهر بدمشق في يوم الخميس ثامن عشرين المحرّم سنة ستّ وسبعين وستّمائة ، أخفى الأمراء موته وكتبوا إلى الملك السعيد [ 173 أ ] كتابا صحبة الأمير بدر الدين الحمويّ بذلك ، فسار إليه من دمشق إلى قلعة الجبل . فلمّا وقف على الكتاب أظهر الفرح وأخلع على الحمويّ . وبالغ في كتمان موت أبيه وأشاع أنّ الكتاب يتضمّن عود الملك الظاهر إلى ديار مصر . وأصبح يوم السبت راكبا في المواكب مع الأمراء بسوق الخيل على العادة من غير أن يظهر عليه حزن البتة . فلم يتفطّن أحد بمصر لموت السلطان . وسار الأمير بدر الدين الخازندار من دمشق بالعساكر والخزائن ومعه محفّة حولها المماليك يوهم الناس أنّ السلطان بها وهو مريض . فمشى ذلك على العسكر حتّى دخلوا إلى قلعة الجبل ، وجلس الملك السعيد بالإيوان ، ووقف الأمير بدر الدين وغيره بين يديه على العادة . [ ف ] - صاح الحجّاب : يا أمراء ، ترحّموا على السلطان الملك الظاهر ، وادعوا لسلطانكم الملك السعيد ! فارتفع الضجيج والبكاء ، ووقع الجميع إلى الأرض يقبّلونها ، وجدّدت الأيمان للملك السعيد . وتولّى الأمير بدر الدين تحليف العساكر للملك السعيد بحضرة القضاة . فتمّت له السلطنة ، وأقرّ الأمير بدر الدين على عادته في النيابة ، والصاحب بهاء الدين على حاله في الوزارة ، وخلع عليهما وعلى الأمراء والمقدّمين والقضاة والكتّاب . وخطب الخطباء للملك السعيد في يوم الجمعة سابع عشرين صفر ، وصلّى على أبيه صلاة الغائب ، وبعث البريد إلى الشام بوفاة الملك الظاهر ، فدخل إلى دمشق يوم السبت ثاني عشر شهر ربيع الأوّل ، وحلف أهل الشام ودخلوا في الطاعة . فاتّفق موت الأمير بدر الدين الخازندار في