المقريزي
232
المقفى الكبير
وإنّما هي دوخلّة بالتشديد : فوعلّة على وزن قوصرّة . فرفع البيّاع وجهه إليه فرأى شيخا عجيب الخلقة وحش الثياب بطرطور ، وقد تعمّم فوقه فظنّ أنّه من الريف ، فقال : واللّه يا مولاي الشيخ إنّك دوخلة . فقال ابن بركات : دوخلة العلم لا دوخلة الرطب ! فقال البيّاع : لا واللّه ، إلّا دوخلة النحس ! فضحك الناس . وبلغ الخبر إلى الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش سلطان مصر بشكوى ابن بركات ما جرى عليه إلى الوالي الذي يعلّم أولاده . فاستدعى الأفضل البيّاع ووهبه دنانير وضحك من القضيّة . وأنفذ إلى الشيخ مع الوالي دنانير أيضا . وكان في آخر عمره قد ضعف بصره . فعمل قصيدة وسأل ولد ابن أبي أسامة كاتب الدست أن يحضره قدّام الأفضل ويتوسّط له في المجلس ويحسن السفارة في حقّه ، ليثيبه عليها . فقرّر له يوما وبعث إليه أولاده - وكانوا يقرءون عليه . فقالوا : يا مولاي الشيخ ، لا يجب أن تحضر قدّام السلطان بهذه الثياب القطن الدنسة . نحن نأخذ لك ثوبا نصافيّا وعمامة جديدة وعرضيّا من الشرب ، وتتبخّر وتتطيّب بماء الورد فتعود إلى سيماء الناس . ربّما يدنيك السلطان ويحادثك فلا يرى منك إلّا ما يعجبه ، فإنّ الملوك لا صبر لهم على ما لا يعجبهم . فقال : يا قوم ، واللّه إنّكم تطلبون منّي تعديل ما أماله القدر . وكذلك [ 136 أ ] خلقني اللّه عزّ وجلّ وكذا قدّر لي ، فتتعبون ولا يكون إلّا ما قدّر لي . فقالوا : لا بدّ . فقال : اعملوا ما شئتم . ففصّلوا له ثوبا من النصافيّ السابوريّ ، وغلالة من الغزل المعروف بالطلّيّ ، ومعهما عمامة من الصقلبيّ وعرضي من الشرب الرفيع ، وجاءوا بعود وندّ وماء ورد في قنّينة كبيرة ، ثمّ واعدوه الغد وقالوا له : تلبس الثياب فتبخّر وتطيّب ، واجلس حتّى تحضر لك بغلة ، وتمضي . فقال : أفعل . فلمّا كان السحر قام الشيخ ولبس ثيابه التي أحضروها له وتطيّب . ثمّ أخذ قنّينة ماء الورد ليرشّها على وجهه وثيابه فغلط وأخذ قنينة الحبر ورشّ منها على وجهه ولحيته وعمامته وثيابه فصار سخاما « 1 » من قرنه إلى قدمه . فلمّا جاء القوم ورأوه بهتوا ، لأنّهم رأوا شيخا أسود مستحمّ « 2 » الوجه كأنّما مرّغته في زفت ، فقالوا : أيّ شيء هذا يا مولاي الشيخ ؟ قال : عنادكم للمقادير ، إنّي أقول لكم إنّ اللّه سبحانه لم يخلقني إلّا على ضدّ ما تطلبون . وأنتم تعاندون : أردت أن آخذ قنّينة ماء الورد ، فأخذت قنّينة للحبر ، وأنا في الظلماء ، وبصري كما علمتم ، وبختي لم يبت البارحة عندي - وكان له بوّاب يسمّي بختي ، وكان من الصالحين - ثمّ قال : واللّه الذي لا إله إلّا هو إن صبغت ثيابي وكلّ ما عليّ إلّا أزرق ! فقالوا : لا تفعل ! فقال : قد كان ذلك ! - وصبغ ثيابه وكلّ ما عليه عند الصبّاغ . وبلغ الخبر الأفضل فأحضره وسمع قصيدته ، ومنها [ الرجز ] :
--> ( 1 ) السخام بالضمّ : الفحم ، والسحام بالمهملة : السواد ( 2 ) استحمّ وتحمّم : صار أسود .