المقريزي
215
المقفى الكبير
فخذوا بسنّته ودعوا قولي ، فإنّي أقول بها . [ تقوى الشافعيّ وتعبّده ] قال الربيع : وقف بعض الصالحين على باب الشافعيّ ، فقال : يا ربّ الدار ، تصدّق علينا بما لا يتعب ضرسا ، ولا يؤلم نفسا . فأمر له فأخرج إليه طعام ، ثمّ قال : حاجتي إلى كلامك أشدّ من حاجتي إلى طعامك . إنّي طالب هدى ، لا طالب ندى . فأمر بإدخاله إليه فسأله عن مسألة من المسائل فأجابه وأفاده ، فخرج وهو يقول : علم أوضح لبسا خير من مال أغنى نفسا . فقال الشافعيّ : ما رأيت أعقل من هذا الرجل ، بارك اللّه فيه ! * * * وعن عبد اللّه بن محمد بن العبّاس بن عثمان بن شافع الشافعيّ : جلس محمّد بن إدريس الشافعيّ يوما في حلقة ، فجاءه غلام حدث فسأله عن مسألة فأجابه فليها . ثمّ سأله عن أخرى فأجابه ، فقال له : أخطأت يا أبا عبد اللّه ! فأطرق الشافعيّ طويلا ثمّ رفع رأسه وقال له : أخطأت يا ابن أخي ما في كتابك . فأمّا الحقّ فلا ! * * * وعن المزنيّ قال الشافعيّ : الرجل من أحرز دينه وضنّ به . ( قال ) : رأيت الشافعيّ يضنّ بدينه . * * * وقال ابن بنت الشافعيّ : حدّثنا عمّي أو غيره أنّ محمّد بن إدريس كانت له ذؤابة وهو شابّ ، فكان يربطها بالليل ويصلّي ، فإذا نعس جذبته . * * * وقال الربيع : كان الشافعيّ قد جزّأ الليل ثلاثة أثلاث : الثلث الأوّل يكتب ، والثالث الثاني يصلّي ، والثالث الثالث ينام . وقال الكرابيسيّ : بتّ مع الشافعيّ فكان يصلّي نحو ثلث الليل ، وما رأيته يزيد على خمسين آية ، فإذا أكثر فمائة . وكان لا يمرّ بآية رحمة إلّا سأل اللّه لنفسه وللمؤمنين أجمعين ، ولا يمرّ بآية عذاب إلّا تعوّذ باللّه منه وسأل النجاة لنفسه ولجميع المؤمنين ، فكأنّما جمع له الرجاء والرهبة معا . * * * قال الخطيب : قد كان الشافعيّ بأخرة يديم التلاوة ويدرج القراءة . فذكر بسنده عن الربيع : كان الشافعيّ يختم في كلّ ليلة ختمة ، فإذا كان شهر رمضان ختم في كلّ ليلة منها ختمة ، وفي كلّ يوم ختمة ، فكان يختم في شهر رمضان ستّين ختمة . وفي رواية : كان الشافعيّ يختم القرآن في شهر رمضان ستّين مرّة ، كلّ ذلك في صلاة . وقال البويطيّ : [ كان ] يختم القرآن في كلّ [ 165 ب ] يوم مرّة . وفي رواية : كان للشافعيّ في كلّ شهر ثلاثون ختمة ، وفي شهر رمضان ستّون ختمة ، سوى ما يقرأ في الصلاة . ( قال ) : وكان يحدّث وطست تحته . فقال يوما : اللّهمّ إن كان لك فيه رضى فزد ! ( قال ) : فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافريّ : لست آمن رجال البلاء ، فسل اللّه العافية . وفي رواية : كان الشافعيّ لا يصلّي مع الناس التراويح ، لكنّه كان يصلّي في بيته ، ويختم في رمضان ستّين ختمة ليس فيها سورة إلّا في