المقريزي
191
المقفى الكبير
الربيع : ما الذي سخّر لك هذا الرجل في الذي قلت ؟ فإنّي أحضرتك ، وإنّي أرى موضع السيف من قفاك . [ دعاء مفضّل عند الشافعيّ ] فتبسّمت وقلت : نعم ، سمعت مالك بن أنس يقول : سمعت نافعا يقول : سمعت عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه يقول : دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الأحزاب بهذا يوم الدعاء فكفى ، وهو : اللّهمّ إنّي أعوذ بنور قدسك ، وبركة طهارتك ، وعظم جلالك من كلّ طارق يطرق ، إلّا طارق [ ا ] يطرق بخير . اللّهمّ أنت غياثي فبك أستغيث ، وأنت عياذي فبك أعوذ ، وأنت ملاذي فبك ألوذ . يا من ذلّت له رقاب الجبابرة ، وخضعت له مقاليد الفراعنة ، أجرني من خزيك وعقوبتك فإنّي في حرزك في ليلي ونهاري ، وفرّي وقراري . لا إله إلّا أنت ، تعظيما لوجهك وتكريما لسبحاتك فاصرف عنّي شرّ عقابك ، واجعلني في حفظ عنايتك ، وصادقات حفظك ، وعد عليّ بخير منك يا أرحم الراحمين ! وقال عبد اللّه بن محمّد البلويّ : حدّثني خالي عمارة بن زيد المدنيّ قال : كنت صديقا لمحمّد بن الحسن ، فدخلت معه على الرشيد ، فسأله عن أحواله فقال : « بخير يا أمير المؤمنين » . ثمّ تسارّا فسمعت محمّد بن الحسن يقول له : إنّ محمّد بن إدريس الشافعيّ يزعم أنّه للخلافة أهل . فغضب الرشيد وقال : عليّ به ! فأتي به حتّى وقف بين يدي الرشيد ، فكره الرشيد أن يعجّل عليه من غير امتحان فقال له : هيه ! قال : وما هيه يا أمير المؤمنين ؟ أنت الداعي وأنا المدعوّ ، وأنت السائل وأنا المجيب . قال : فكيف علمك بكتاب اللّه ، فإنّه أولى أن نبدأ به . قال : جمعه اللّه في صدري وجعل جنبيّ [ 151 أ ] دفّتيه . قال : فكيف علمك به ؟ قال : أيّ علم تريد يا أمير المؤمنين ؟ أعلم تأويله أم علم تنزيله ، أم مكيّه أم مدنيّه ، أم ليليّه أم نهاريّة ، أم سفريّة ، أو حضريّه ، أم هجريّه ، أم عربيّه ، أم إنسيّة أم وحشيّه ، أم تبيين وضعه أم تسويره بسورة ؟ فقال له الرشيد : لقد ادّعيت من علوم القرآن أمرا عظيما ، فكيف علمك في الأحكام ؟ فقال : أفي الفتاوى ، أم في الطلاق ، أم في القضايا ، أم في الأشربة ، أم في المحاربات ، أم في الدّيات ؟ قال : كيف علمك في الطبّ ؟ قال : أعرف منه ما قالت الروم ، وبابل ، وبقراط ، وشاهمود ، ورسطاليس ، وجالينوس . قال : كيف علمك بالنجوم ؟ قال : أعرف القطب الدائر ، والليليّ والنهاريّ ، والمذكّر والمؤنّث ، وما أهتدي به في برّي وبحري . قال : فكيف علمك بالشعر ؟ قال : أعرف الشاذّ منه وما نبّه للمكارم . قال : كيف علمك بأنساب العرب ؟ قال : أعرف نسب الكرام ، وفيها نسب أمير المؤمنين ونسبي . فقال له الرشيد : لقد ادّعيت من العلوم أمرا عظيما تطول به المحنة . فعظ أمير المؤمنين موعظة تبيّن له فيها كلّ ما قلت .