المقريزي

187

المقفى الكبير

وفي رواية : سأل إنسان يونس بن عبد الأعلى عن معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقرّوا الطير في مكناتها » ، فقال : إنّ اللّه يحبّ الحقّ . إنّ الشافعيّ قال : كان الرجل في الجاهليّة إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكره فنفره ، فإن أخذ ذات اليمين مضى لحاجته ، وإن أخذ ذات الشمال رجع . فنهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك . ( قال ) : وكان الشافعيّ نسيج وحده في ننهذه المعاني . وقال محمد بن مهاجر : سألت وكيعا عن تفسير هذا الحديث ، فقال : هو صيد الليل . فذكرت قول الشافعيّ ، فاستحسنه ، وقال : ما كنّا نظنّه إلّا صيد اللّيل . وقيل : يعني : أقرّوها على بيضها ، على أنّه مستعار من الضبّة ، لأنّ المكن ليس للطير « 1 » . وعن إبراهيم بن محمد الشافعيّ قال : كنّا في مجلس ل [ ابن ] عيينة والشافعيّ حاضر ، فحدّث ابن عيينة عن الزهريّ عن عليّ بن الحسين أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم [ 148 ب ] مرّ به رجل في بعض الليل وهو مع امرأته صفيّة فقال : « تعال ! هذه امرأتي صفيّة ! » فقال : « سبحان اللّه يا رسول اللّه ! » فقال : « إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 2 » . فقال ابن عيينة للشافعيّ : ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد اللّه ؟ فقال : إن كان القوم اتّهموا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا بتهمتهم إيّاه كفّارا . لكنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أدّب من بعده فقال : إن كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، حتّى لا يظنّ بكم ظنّ السوء ، لا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتّهم ، وهو أمين اللّه في أرضه . فقال ابن عيينة : جزاك اللّه خيرا يا أبا عبد اللّه ! ما يجيئنا منك إلّا ما نحبّه ! وقال أحمد بن محمد ابن بنت الشافعيّ : سمعت أبي وعمّي يقولان : كان سفيان بن عيينة إذا جاء شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها ، التفت إلى الشافعيّ وقال : أسألوا هذا . وعن سويد بن سعيد : كنّا عند سفيان بن عيينة بمكّة ، فجاء الشافعيّ فسلّم وجلس . فروى ابن عيينة حديثا رقيقا ، فغشي على الشافعيّ ، فقيل له : يا أبا محمّد ، مات محمد بن إدريس ! فقال ابن عيينة : إن كان مات محمد بن إدريس ، فقد مات أفضل أهل زمانه . [ قدرته على الإفتاء منذ الصغر ] وقال عبد اللّه بن الزبير الحميديّ : سمعت مسلم بن خالد الزنجيّ يقول للشافعيّ محمد بن إدريس : أفت أبا عبد اللّه ، فقد آن لك أن تفتي ! - وهو ابن ستّ عشرة سنة - وفي رواية : وكان ابن خمس عشرة سنة . [ وفي رواية : سمعت مسلم بن خالد الزنجيّ - ومرّ على الشافعيّ ، وهو يفتي ، وهو ابن خمس عشرة سنة ، فقال : يا أبا عبد اللّه ، أفت ، فقد آن لك أن تفتي ! ] « 3 » . قال الخطيب : هكذا ذكر في هذه الحكاية أنّه سمع مسلم بن خالد ، ومرّ على الشافعيّ وهو ابن خمس عشرة يفتي فقال له : « أفت ! » وليس ذلك بمستقيم لأنّ الحميديّ كان يصغر عن إدراك الشافعيّ وله تلك السنّ ، والصواب ما أخبرنا عليّ بن الحسين : حدّثنا محمد بن إسحاق الصفّار : ثنا عبد اللّه بن محمد بن جعفر القزوينيّ قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : سمعت عبد اللّه بن الزبير الحميديّ « 4 » يقول : قال مسلم بن خالد الزنجيّ للشافعيّ : يا أبا عبد اللّه ، أفت الناس ، آن لك واللّه أن تفتي - وهو ابن دون عشرين سنة .

--> ( 1 ) انظر النهاية في مكن . ( 2 ) هذا الحديث عند البيهقيّ 1 / 310 و 2 / 24 . ( 3 ) هذه الفقرة جاءت في الهامش . ( 4 ) الحميدي مرّت ترجمته برقم 1483 .