المقريزي

183

المقفى الكبير

ثمّ قلت له : من كانت هذه أحكامه فليس من سبيله أن ينكر على غيره . فبقي متعجّبا ، فقلت له : أتعجب من حكم حكم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحكم به أبو بكر ، وحكم به عمر ، وحكم به عليّ بن أبي طالب بالعراق ، وقضى به شريح ؟ ( قال ) : ورجل من ورائي يكتب ألفاظي وأنا لا أعلم به . ثمّ إنّه أدخل ما كتب من كلامي وألفاظي على أمير المؤمنين هارون الرشيد وقرأه عليه . فقال لي هرثمة بن أعين : وكان متكئا فاستوى جالسا وقال : اقرأه عليّ ثانية - فقرأه عليه ، فأنشأ أمير المؤمنين يقول : صدق اللّه ورسوله [ 126 أ ] حتى قالها ثلاث مرّات . ثمّ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تعلّموا من قريش ولا تعلّموها ، قدّموا قريشا ولا تؤخّروها » ، ما أنكر أن يكون محمد بن إدريس أعلم من محمّد بن الحسن ؟ ( قال ) : ثمّ إنّه رضي عنّي وأمر لي بألف دينار . فخرج هرثمة فقال لي - بالسوط هكذا « 1 » - فتبعته فحدّثني بالقصّة كلّها ، وقال لي : قد أمر لك أمير المؤمنين ، أطال اللّه بقاءه ، بألف دينار ، وقد أضفت إليها مثلها غير خمسين دينارا ، فإنّ أمير المؤمنين لا يساوي في جائزته . ( قال ) : فو اللّه ما ملكت قبلها مثل هذا المال قطّ ، وكان أوّل مال كثير ملكته ، وكنت رجلا أتشيّع فوقاني اللّه على يدي أبي مصعب . فلمّا كان بعد ذلك جلست إلى محمد بن الحسن [ . . . ] تجاهه ، ومعي جزء انظر فيه فقال لي : أرني في أيّ شيء تنظر - فلم أره ، فتناول القلم والقرطاس وكتب إليّ [ الرجز ] : فقل لمن لم ير عيبا من رآه مثله * ومن كان قد رآه قد رأى من قبله « 2 » العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله * لعلّه يبذله لأهله لعلّه فلمّا قرأت هذه الأبيات دفعت الجزء إليه . [ أسانيد الشافعيّ مدنيّة صحيحة ] وقال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم : ثنا الشافعيّ ثنا إسماعيل بن عبد اللّه بن قسطنطين بمكّة قال : قرأت على شبل بن عبّاد . وأخبر شبل أنّه قرأ على عبد اللّه بن كثير . وأخبر عبد اللّه بن كثير أنّه قرأ على مجاهد ، وأخبر مجاهد أنّه قرأ على عبد اللّه بن عبّاس . وأخبر عبد اللّه بن عبّاس أنّه قرأ على أبيّ بن كعب . وقرأ أبيّ بن كعب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الشافعيّ : وقرأت على إسماعيل [ بن عبد اللّه ] بن قسطنطين . وكان يقول : القرآن اسم ، وليس بمهموز ، ولم يؤخذ من « قرأت » - يعني : ولو أخذ من قرأت كان كلّ ما قرئ قرآنا . ولكنّه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل . وكان يهمز قرأت ولا يهمز القرآن ، وكان يقول : وإذا قرأت القرآن . وعن المزني : سمعت الشافعيّ يقول : حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين . وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر سنين . وعن حرملة : سمعت الشافعيّ يقول : أتيت مالك بن أنس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، وكان ابن عمّ لي والي المدينة ، فكلّم لي مالكا فأتيته لأقرأ عليه فقال : اطلب من يقرأ لك . فقلت : أنا أقرأ . فقال : اطلب من [ 126 ب ] يقرأ لك . فقلت : أنا أقرأ . ( قال ) : فقرأت عليه ، وربّما قال لشيء قد مرّ : أعد حديث كذا - فأعيده حفظا . فكأنّه أعجبه . ثمّ سألته عن مسألة فأجابني ، ثمّ عن أخرى ، ثمّ

--> ( 1 ) لم نفهم هذه العبارة . ( 2 ) البيت مختلّ . ولعلّه من السريع .