المقريزي
173
المقفى الكبير
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس : قدم مصر مع عبد اللّه بن العبّاس بن موسى الهاشميّ سنة تسع وتسعين ومائة ، وأقام بمصر وحدّث بها بكتبه الفقهيّة ، وكان كريما . وقال أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب : محمد بن إدريس بن عبّاس ، أبو عبد اللّه ، الشافعيّ ، [ 130 ب ] الإمام ، زين الفقهاء ، وتاج العلماء . ولد بغزّة من بلاد الشام - وقيل : باليمن - ونشأ بمكّة ، وكتب العلم بها ، وبمدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وقدم بغداد مرّتين ، وحدّث بها . وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته . [ نشأة الشافعيّ ] وعن محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم : لمّا أن حملت أمّ الشافعيّ به ، رأت كأنّ المشتري خرج من فرجها حتى انقضّ بمصر ، ثمّ وقعت في كلّ بلد منه شظيّة ، فتأوّل أصحاب الرؤيا أنّه يخرج منها عالم يخصّ علمه أهل مصر ، ثمّ يتفرّق في سائر البلدان . وعن ابن [ عبد ] الحكم : قال لي محمد بن إدريس الشافعيّ : ولدت بغزّة سنة خمسين ومائة ، وحملت إلى مكّة ، وأنا ابن سنتين . وفي رواية : ولدت بغزّة ، وحملتني أمّي إلى عسقلان . ( قال ) : وأخبرني غيره عن الشافعيّ قال : لم يكن لي مال ، فكنت أطلب العلم في الحداثة ، أذهب إلى الديوان أستوهب منه الظهور « 1 » وأكتب فيها . وقال المزنيّ : ما رأيت وجها أحسن من وجه الشافعيّ ، ولا رأيت لحية أحسن من لحيته . وكان ربّما قبض عليها فلا يفضل عن قبضته . ولقد سمعته يوما ينشد [ الرجز ] : قوم يرون النبل تطويل اللحى * لا علم دين عندهم ولا تقى ربّوا صغارا ثمّ خلّوهم سدى * بعرّة الجهل وآداب النسا فلو ترى شيخهم إذا احتبى * ثمّ ابتدأ في رخص سعر وغلا وقال الربيع : سمعت الشافعيّ يقول : كنت ألزم الرمي حتّى كان الطبيب يقول لي : أخاف أن يصيبك السلّ من كثرة وقوفك في الحرّ . ( قال ) : وقال الشافعيّ : كنت أصيب من عشرة تسعة - أو نحوا ممّا قال . وقال عمرو بن سوّاد [ السرحيّ ] « 2 » : قال الشافعيّ : ولدت بعسقلان . فلمّا أتى عليّ سنتان حملتني أمّي إلى مكّة . وكانت نهمتي في شيئين : الرمي ، وطلب العلم . فنلت من الرمي حتّى كنت أصيب من عشرة عشرة . - وسكت عن العلم - فقلت له : أنت واللّه في العلم أكبر منك في الرمي . وعن عبد اللّه بن وهب : سمعت محمد بن إدريس الشافعيّ يقول : ولدت باليمن ، فخافت أمّي عليّ الضّيعة ، فقالت : الحق بأهلك فتكون مثلهم ، فإني أخاف أن تغلب على نسبك . فجهّزتني إلى مكّة ، فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه ذلك . فصرت إلى نسب لي ، وجعلت أطلب العلم ، فيقول لي : « لا تشتغل بهذا وأقبل على ما ينفعك ! » ، فجعلت لذّتي في هذا العلم وطلبه حتّى رزقني اللّه ما رزق . [ طلبه العلم ] [ 121 أ ] وذكر الزبير بن سليمان القرشيّ عن الشافعيّ قال : طلبت هذا الأمر عن خفّة ذات يد .
--> ( 1 ) الظهور : الورقات البيضاء في طليعة الرسائل ( دوزي ) . ( 2 ) البيهقيّ : مناقب . . . 1 / 74 .