المقريزي
147
المقفى الكبير
المهديّ في مجلس [ 105 ب ] أخيه ويتكلّم فيه ، وأخوه ينهاه ولا يرضى فعله فلا يزيده ذلك إلّا لجاجا . ثمّ إنّه أظهر أخاه على ما في نفسه وقال له : ملكت أمرا ثمّ جئت بمن أزالك عنه ، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقّك . ولم يزل حتّى أثّر في قلب أخيه . وصار أبو العبّاس مع ذلك يشير إلى المقدّمين بشيء ممّا في نفسه فإذا رأى من أحد منهم قبولا كشف له ما في نفسه وقال : « ما جازاكم على ما فعلتموه ، بل أخذ الأموال ولم يقسمها فيكم » ، فيبلغ ذلك المهديّ ويتغافل ، وأبو عبد اللّه يداري . ثمّ صار أبو العبّاس يقول : « إنّ هذا ليس بالذي كنّا نعتقد طاعته وندعو إليه لأنّ المهديّ يأتي بالآيات الباهرة » ، فأخذ قوله بقلوب كثير من الناس حتّى إنّ شخصا منهم يقال له « شيخ المشايخ » « 1 » واجه المهديّ بذلك وقال له : « إن كنت المهديّ فأظهر لنا آية ، فقد شككنا فيك » فقتله المهديّ . وخاف أبو عبد اللّه وعلم أنّ المهديّ تغيّر عليه ، فاتّفق هو وأخوه ومن معهما على الاجتماع عند أبي زاكي ، وعزموا على قتل المهدي ، واجتمع معهم قبائل كتامة إلّا قلي [ لا ] منهم . فبلغ المهديّ ذلك كلّه ، فلاطف الأمر وفرّق الأكابر وأوقف رجالا قتلوا أبا عبد اللّه وأخاه أبا العبّاس في يوم الاثنين النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين « 2 » . وخرج فصلّى عليهما وقال : رحمك اللّه يا أبا عبد اللّه وجزاك خيرا على جميل سعيك ، ولا رحمك اللّه يا أبا العباس ، فإنّك صرفته عن الحقّ . 1829 - ابن اليتيم البلنسيّ [ 544 - 621 ] « 3 » محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد ، أبو عبد اللّه ، ابن أبي العبّاس ، الأنصاريّ ، الأندلسيّ - ويعرف بابن البلنسيّ وبابن اليتيم ، من أهل المريّة ، وأصله من بلنسية . روى عن أبيه وببلنسية عن أبي الحسن بن هذيل ، وأبي عبد اللّه بن سعادة وغيره . وحجّ ودخل مصر والشام والعراق وخراسان ، ولازم أبا الطاهر السلفيّ وأخذ عنه كثيرا ، وعن أبي محمد العثمانيّ ، وأبي الطاهر ابن عوف . وسمع بالقاهرة من أبي عمرو عثمان بن فرح الكندي . وببغداد من أبي الفرج ابن الجوزيّ ، وشهدة بنت الإبريّ . وبدمشق من أبي القاسم بن عساكر . ولقي بالمغرب والمشرق خلقا من الأئمّة . وكان أديبا متواضعا فاضلا . وأسنّ حتى انفرد بما كان عنده من المغاربة ، إلّا أنّه كان لا يتقن إسنادا ، وقد حدّث عنه جلّة ووثّقوه وأثنوا على دينه وفضله . ثمّ عاد بعد رحلته إلى بلده ، وقدّم للقضاء . ثمّ ولي الخطابة بالمرية . قال ابن الأبّار : وكان راوية مكثرا رحّالا في طلب العلم عالي الإسناد . ونسبه بعض شيوخنا إلى الاضطراب . وعلى ذلك انتابه الناس ورحلوا إليه للسماع منه .
--> - والمهديّ . وانظر افتتاح الدعوة 261 / 316 ، وعيون الأخبار 180 - 188 . ( 1 ) شيخ المشايخ : هارون بن يونس المسالتيّ ، أبو موسى . ( 2 ) انفرد المقفّى ، كما أشرنا ، بذكر التعارف بين أبي عبد اللّه والمهديّ بسلميّة . ولمّا كانت ترجمة أبي عبد اللّه مبتورة من أوّلها ، فلعلّه قال نفس القول هناك . ولئن اتّفقت المصادر الأخرى على حصول اللقاء بين أبي العبّاس والمهدي بالمشرق ، فهي لم تشر إلى لقاء بين أبي عبد اللّه - ( 3 ) الوافي 2 / 116 ( 454 ) ، التكملة للمنذريّ 3 / 134 ( 2009 ) .