المقريزي

142

المقفى الكبير

كافور : إيش قال ؟ شتمني ؟ فقيل له : لا . ثمّ لم يبرح تحرير حتّى قرّر حضور ابن الحدّاد المجلس . وكان فيما قال لكافور : أيّها الأستاذ ، الصدق أنّه ليس يجمل هذا الشيخ الحضور ، وإنّما حضوره يجمل ، وتأخّره عظيم يكتب إلى الآفاق به [ فتحصل الشفاعة ] « 1 » . فقال كافور : ما حجبته . - وتقدّم بإكرامه وأن يرسل إليه . قال ابن زولاق : والبيت الذي أنشده [ الطويل ] : فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي * ولكنّ زنجيّا عظيم المشافر [ 103 ب ] ثمّ انصرف السوكيّ من عشيّته إلى ابن الحدّاد يلومه على ما أنشد . فقال له : يا أبا محمّد ، كنت تدع [ ن ] ي أتمّ البيت ، فو اللّه ما يصل إليّ ولا يقدر على مكروهي . وتعصّب أبو الفضل جعفر بن الفرات الوزير لأبي بكر ابن الحدّاد فبلّغه في الحضور ما أحبّ . ولم يزل ابن الحدّاد ملازما لمجلس كافور على مضض ، إلى أن تأهّب أبو الفضل الوزير للحجّ ، فاغتنم ابن الحدّاد ذلك وتجهّز [ للحجّ في ] ضيق صدر . وحفظ عليه ، وقد ركب محمله وهو يقول : هو ذا أخرج وأدع مصر للخصيبيّ ! - وسار وهو يقول : اللّهمّ ، لا تمتني في دار غربة ! فاستجيبت الدعوة ، واعتلّ في نصف الطريق وهو راجع . وتوفّي في محمله موضع القاهرة اليوم ، ودفن في وطنه . وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي في كتاب الخطط : أبو بكر محمد بن أحمد ابن الحدّاد القاضي : توفّي منصرفه من الحجّ في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة بمنية جريج على باب مدينة مصر - وقيل : في موضع القاهرة - وقبره في بحر محمود على يمين من يمضي إلى الخندق ، وكان على ظاهر حجرته رخام فقلع . وهو مجاور قبر أبي الحسن بن طاهر الصوّاف . وكان يخلف القضاة ، ثمّ ولي القضاء رئاسة . وكان متصرّفا في علوم كثيرة : من علوم القرآن ، والفقه ، والحديث ، والشعر ، وأيّام العرب ، والنحو واللّغة ، وغير ذلك . ولم يكن في زمانه مثله وكان محبّبا إلى الخاصّ والعامّ . وحضر جنازته الأمير أبو القاسم أونوجور ابن الإخشيد ، وكافور ، وجماعة أهل البلد ، وله تسع وسبعون سنة وأربعة أشهر ويومان . وكان مولده في اليوم الذي مات فيه المزنيّ ، وهو لستّ بقين من شهر رمضان سنة أربع وستّين ومائتين . وقال السمعانيّ : كان يقال : عجائب الدنيا ثلاث : غضب الجلّاد ، ونظافة السّماد ، والردّ على ابن الحدّاد . وكان ابن الحدّاد هذا تولّى قضاء مصر دفعتين وتكرّر في نيابة القضاء كرّات . وكان قد حجّ ، فلمّا قدم من الحجّ توفّي في طريق الجبّ بين مصر وجبّ عميرة في المحرّم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ، ودخل به ميتا في محمله ، ودفن بسفح المقطّم عند أبيه وأمّه . وقال ابن خلّكان : توفّي يوم قدومه من الحجّ سنة خمس وأربعين . قال ابن زولاق في حوادث سنة خمس وأربعين : ففي صفر منها وافى حاجّ البرّ [ 104 أ ] ووافى أبو بكر ابن الحدّاد الفقيه ميتا في محمله ، فأخرج من الغد . وكانت جنازته عظيمة ، وحضرها الأمير أونوجور والأستاذ كافور .

--> ( 1 ) الكندي 554 .