المقريزي

111

المقفى الكبير

وأبوه ، وربّما اختار . وكان من أهل القرآن والعلم والأدب متفنّنا في علوم ، حسن المذاكرة والعلم بالحديث والأخبار وأيّام الناس والشعر في الجدّ والهزل . وعمل كتابا في الفقه أجاب فيه عن مسائل مختصر المزني « 1 » على قول مالك ، واختصر تفسير الجبّائيّ « 2 » وتفسير البلخيّ « 3 » . [ تفاوضه مع جوهر ] ولم يزل ينظر في الأحكام إلى أن وصل القائد جوهر . فخرج أبو الطاهر ، ومعه أبو جعفر مسلّم بن عبيد اللّه الحسينيّ وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّيّ وجماعة ، فرافقوه وشرطوا شروطا أجابهم إليها وكتب لهم سجلّا . وخلع على القاضي أبي الطاهر والجماعة . ثمّ وافى المعزّ لدين اللّه ومعه قاضيه النعمان بن محمد ، فلقيه أبو الطاهر وسائر الشهود بالإسكندريّة ، فخلع عليه وحمله وحده وأقام القاضي النعمان لا ينظر في شيء اختيارا ، وكان يخالف قول مالك في الحكم باليمين مع الشاهد . ويحكى أنّ أباه وإسماعيل بن إسحاق « 4 » كانا لا يحكمان به ، وكانا مالكيّين . وكان إذا شهد عنده الشاهد الواحد ليس معه سواه ردّ الحكم . ( قال ) : وركب العزيز باللّه إلى الجنان بالجزيرة مستهلّ صفر [ 80 ب ] سنة ستّ وستّين وثلاثمائة ، فلقيه أبو طاهر ومعه الشهود عند باب الصناعة ، فسأله استخلاف ابنه أبي العلاء بسبب ما يجده من الضعف . فحكي أنّ العزيز قال : ما بقي إلّا أنّ تقدّدوه ! ثمّ قلّد العزيز باللّه ثالث هذا اليوم [ 4 صفر 366 ] القاضي عليّ بن النعمان ، فكانت ولاية أبي الطاهر ونظره في الأحكام ستّ عشرة سنة وسبعة عشر يوما « 5 » . وأقام عليلا ، وأصحاب الحديث ينقطعون إليه ويسمعون منه . وقال ابن ماكولا : كان ثقة ثبتا كثير السماع فاضلا ( قال ) وهذا بيت جليل في الحديث والقضاء . وقال الخطيب : وكان قاضيا بمصر ثمّ استعفى قبل موته بيسير ، وكان قد ولي القضاء بمدينة المنصور وبالشرقيّة « 6 » ، وكان ثقة ثبتا . [ أنفته من تقبيل الأرض للمعزّ ] وقال السّلفيّ : لمّا ورد المعزّ مصر من المغرب استقبله الناس على طبقاتهم مشاة ، فلمّا رأوه قبّلوا الأرض بين يديه كلّهم سوى القاضي أبي الطاهر الذهلي ، فإنّه كان راكبا ، ولمّا قرب منه ترجّل وسلّم عليه ولم يقبّل الأرض . فالتفت إلى خواصّ حجّابه وقال : من هذا الذي خالف الناس كلّهم ؟ فقيل : قاضي مصر ، وهو من أهل العلم والدين . ثمّ لامه أحد الحجّاب سرّا فيما فعل فرفع صوته [ 81 أ ] وقال جهرا بحيث يسمع المعزّ : يا هذا ، هو

--> ( 1 ) المزني إسماعيل بن يحيى صاحب الشافعيّ ، ومختصره « هو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي » ( الوفيات ترجمة رقم 93 ) ، وتوفّي سنة 264 بمصر . ( 2 ) الجبّائي ( 317 / 929 ) : أحد رؤوس المعتزلة ، له تفسير ( وفيات الأعيان ، رقم 330 ) . ( 3 ) البلخيّ : عبد اللّه بن أحمد الكعبيّ ( ت 317 ) أحد رؤوس المعتزلة أيضا . ( وفيات رقم 330 ) . ( 4 ) إسماعيل بن إسحاق الأزدي : « القاضي المالكي البصري » ( ت 282 / 896 ) . ( 5 ) مرّ في كلام عبد الغنيّ أنّه أقام على القضاء ثماني عشرة سنة . ( 6 ) الشرقيّة ومدينة المنصور : قسمان من بغداد . فمدينة المنصور هي نواتها الأصليّة ، والشرقيّة محلّة بشرقي مدينة المنصور ، وكلاهما في الجانب الغربي من بغداد .