المقريزي
95
المقفى الكبير
الحجارة ، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم . فأخذ الحجّاج حجر المنجنيق فوضعه فيه ورمى . فلمّا أصبحوا جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا فانكسر أهل الشام . فقال الحجّاج : يا أهل الشام لا تنكروا هذا ، فإنّي ابن تهامة ، وهذه صواعقها ، وهذا الفتح قد حضر ، أبشروا ! فلمّا كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدّة ، فقال الحجّاج : ألا ترون أنّهم يصابون كما تصابون ؟ وأنتم على الطاعة وهم على خلافها ! ولم « 1 » يزل [ 508 أ ] القتال بينهم قائما حتّى غلت الأسعار عند ابن الزبير ، واشتدّ الجوع بالنّاس ، وتفرّقوا عنه . فخرج إلى الحجّاج نحو عشرة آلاف من أصحاب ابن الزبير بأمان ، فيهم ابنا عبد اللّه بن الزبير ، فخطب أصحابه فقال : قد ترون قلّة من مع ابن الزبير ، وما هم فيه من الجهد والضّيق . ففرحوا واستبشروا وتقدّموا فملئوا ما بين الحجون إلى أبواب المسجد ، وابن الزبير يقاتلهم إلى أن رمي بأجرّة أرعش منها ، فتكاثروا عليه حتّى قتل في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين . فلمّا رأى الحجّاج رأسه سجد ، وقام ومعه طارق حتى وقفا عليه . وبعث بالرأس إلى عبد الملك بن مروان في عدّة رؤوس ، وصلب جثّة ابن الزبير منكّسة . فأرسلت إليه أسماء بنت أبي بكر أمّ عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه تقول له : قاتلك اللّه ! على ما ذا صلبته ؟ فقال : استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة ، فكانت له . فاستأذنته في تكفينه ودفنه فأبى ، ووكّل بالجثّة من يحرسها ، وكتب إلى عبد الملك بذلك . فكتب إليه يلومه ويقول : ألا خلّيت بينه وبين أمّه ؟ فأذن لها ، فدفنته . وكان عروة بن الزبير لمّا قتل أخوه عبد اللّه بن الزبير ركب ناقته وسار إلى عبد الملك قبل أن يرسل الحجّاج بقتل ابن الزبير ، فلمّا دخل سلّم عليه بالخلافة ، فردّ عليه ورحّب به وعانقه وأقعده معه على السرير . فقال عروة : نمتّ إليك بأرحام قريبة ، ولا قرب للأرحام ما لم تقرّب ! وحادثه حتّى جرى ذكر عبد اللّه ، قال : إنّه كان . قال عبد الملك : وما فعل ؟ فخرّ عبد الملك ساجدا ، فقال عروة : إنّ الحجّاج صلبه ، فهب جثّته لأمّة ! وكان عروة شقيق عبد اللّه ، أمّهما أسماء رضي اللّه عنها . فقال : نعم . وكتب إلى الحجّاج يعظّم صلب عبد اللّه ، وكان الحجّاج قد كتب إلى عبد الملك أنّ عروة كان مع أخيه ، فلمّا قتل عبد اللّه أخذ مالا من مال اللّه وهرب . فكتب إليه عبد الملك أنّه لم يهرب ، ولكنّه أتاني مبايعا . وقد أمّنته وحلّلته ممّا كان ، وهو قادم عليك ، فإيّاك وعروة ! فلمّا قدم عروة إلى مكّة بعد غيبته ثلاثين يوما ، ودفع كتاب عبد الملك إلى الحجّاج ، أنزل جثّة ابن الزبير . ودخل مكّة فبايعه أهلها لعبد الملك . وأمر بكنس الحرم من الحجارة والدم . وطلب محمّد بن الحنفيّة عليه السلام ليبايع لعبد الملك ،
--> ( 1 ) انقطعت هنا ترجمة الحجّاج من مخطوط ليدن .