المقريزي
78
المقفى الكبير
الحضرميّ للفضل : سل ، أصلحك اللّه ، الحارث عن ابن أسباط وابن تميم ! فقال : ليس لهذا أحضرناه . فقال : أصلحك اللّه ، سله ! فقال الفضل للحارث : ما تقول في هذين الرجلين ؟ قال : ظالمان غاشمان . قال : ليس لهذا أحضرناك . فاضطرب المسجد ، وكان الناس متوافرين ، فقام الفضل وسار إلى المأمون بالخبر ، وقال : خفت على نفسي من ثوران الناس مع الحارث . فأرسل المأمون إلى الحارث ، فدعاه فابتدأه بالمسألة ، فقال : ما تقول في هذين الرجلين ؟ قال : ظالمان غاشمان . قال : هل ظلماك بشيء ؟ قال : لا . قال : فعاملتهما ؟ قال : لا . قال : فكيف شهدت عليهما ؟ قال : كما شهدت أنّك أمير المؤمنين ولم أرك قطّ إلّا الساعة ، وكما شهدت أنّك غزوت ، ولم أحضر غزوتك . قال : اخرج من هذه البلدة ، فليست لك [ 482 أ ] ببلاد ، وبع قليلك وكثيرك فإنّك لا تعاينها أبدا « 1 » . وحبسه في رأس الجبل في قبّة [ ابن ] هرثمة « 2 » في خيمة ، ثمّ انحدر المأمون آلى البشرود وأحدره معه ، فلمّا فتح البشرود أحضر الحارث ، فلمّا دخل عليه سأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر ، فردّ عليه الجواب بعينه . قال : فأيّ شيء تقول في خروجنا هذا ؟ قال : أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك أنّ الرشيد كتب إليه في أهل دهلك « 3 » يسأله عن قتالهم ، فقال : إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان فلا يحلّ قتالهم . وإن كانوا إنّما شقّوا العصا فقتالهم حلال . فقال : أنت تيس ، ومالك [ أتيس ] « 4 » منك . ارحل عن مصر ! قال : يا أمير المؤمنين ، إلى الثغور . قال : الحق بمدينة السلام . فقال له أبو صالح الحرّاني : يا أمير المؤمنين تغفر زلّته . فقال : يا شيخ ، شفعت إن نفع « 5 » - وجعل المأمون يقول للحارث : يا ساعي ! - يردّدها ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، ما أنا بساع . . . وإن أذن لي أمير المؤمنين تكلّمت . قال : تكلّم ! فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ما أنا بساع ، ولكنّي أحضرت فسمعت وأطعت حين دعيت . ثمّ سئلت عن أمر فاستعفيت فلم أعف ، ثلاثا ، فلمّا رأيت أنّه لا بدّ لي من الكلام كان الحقّ آثر عندي من غيره . فقال المأمون : هذا رجل أراد أن يرفع له علم
--> ( 1 ) في ك . الولاة : فإنّك لا تبقى فيها أبدا . ( 2 ) في الخطط 2 / 202 : ابتناها حاتم بن هرثمة ، وتعرف بقبّة الهواء . ( 3 ) دهلك مجموعة جزر في البحر الأحمر كان بنو أميّة يسجنون بها الخصوم : الطبري 6 / 557 و 7 / 509 وياقوت ودائرة المعارف الإسلاميّة . ( 4 ) زيادة من الخطط 2 / 202 . ( 5 ) في الخطط : تشفّعت فارتفع .