المقريزي

53

المقفى الكبير

إليهم المعزّ بنودا ففرّقوها فيمن استجاب لهم ، وأمرهم أن ينشروها إذا قاربت عساكره مصر . فعند ما قرب جوهر من أرض الإسكندريّة جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة « 1 » الناس بداره من مصر ، واتّفقوا على مراسلة جوهر وأن يشترطوا عليه أن يقرّهم على ما بأيديهم من الضياع والأعمال التي يتولّونها . وشرط نحرير شويزان أن لا يجتمع مع جوهر . وأرسلوا إليه بذلك الشريف أبا جعفر مسلّم [ بن عبيد اللّه الحسينيّ ] والشريف أبا إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّيّ ، والقاضي أبا [ 360 أ ] الطاهر محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن نصر الذهليّ وأبا « 2 » الطيّب العبّاس بن أحمد العبّاسيّ الهاشميّ في جماعة . فبرزوا إلى الجيزة في يوم الاثنين ثامن عشر شهر رجب [ سنة 358 ] ، وساروا فلقوا جوهر في تروجة ، فوافقهم وأجابهم إلى ما التمسوه وكتب لهم كتابا ، نصّه بعد البسملة : [ عهد جوهر لأهل مصر ] هذا كتاب جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعزّ لدين اللّه صلوات اللّه عليه لجماعة أهل مصر الساكنين بها ، من أهلها ومن غيرها : إنّه قد ورد من سألتموه الترسّل والاجتماع معي ، وهم : أبو جعفر مسلّم الشريف ، أطال اللّه بقاءه ، وأبو إسماعيل الرسّيّ أيّده اللّه ، وأبو الطيّب الهاشميّ أيّده اللّه ، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزّه اللّه ، والقاضي أبو طاهر أعزّه اللّه . وذكروا عنكم « 3 » أنّكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم . فعرّفتهم ما تقدّم به أمر مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه [ عليه ] وحسن نظره إليكم ، فاحمدوا اللّه على ما أولاكم واشكروه على ما آتاكم . وادأبوا فيما يلزمكم ، وسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم ، العائدة بالسعادة عليكم والعصمة الشاملة لكم : وهو أنّه ، صلوات اللّه عليه ، لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة ، والجيوش المظفّرة ، إلّا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم ، وقد تخطّفتكم الأيدي ، واستطال عليكم المستدلّ ، وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة والتغلّب عليه ، وأسر من فيه ، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله في غيركم من أهل بلدان المشرق ، وتأكّد عزمه واشتدّ كلبه ، فعاجله مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه بإخراج العساكر المنصورة ، وبادره بإنفاذ الجيوش المظفّرة دونكم ومجاهدته عنكم وعن كافّة المسلمين ببلدان المشرق الذين عمّهم الخزي ، وشملتهم الذلّة ، واكتنفتهم المصائب ، وتتابعت لديهم الرزايا ، واتّصل عندهم الخوف ، وكثرت استغاثتهم ، وعظم ضجيجهم ، وعلا صراخهم ، فلم يغثهم إلّا من أرمضه أمرهم ومضّه حالهم ، وأبكى عينه ما نالهم ، وأسهرها ما حلّ بهم : وهو مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين ، صلوات اللّه عليه ، فرجا ، بفضل اللّه وإحسانه لديه ، وما عوّده وأجراه عليه ، استنقاذ من أصبح منهم في ذلّ مقيم ، وعذاب أليم ، وأن يؤمّن من استولى عليه الوهل ، ويفرّخ روع من [ 360 ب ] لم يزل في خوف ووجل ، وآثر إقامة الحجّ الذي تعطّل وأهمل العباد فروضه وحقوقه ، من الخوف المستولي عليهم ، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا

--> ( 1 ) جعفر ابن الفرات ابن حنزابة مرّت ترجمته منذ قليل . ( 2 ) في المخطوط : وأبو . ( 3 ) في المخطوط : عندكم .