المقريزي
403
المقفى الكبير
الدولة أبي عليّ ، أخي الوزير المأمون ابن البطائحيّ . نشأ بالقاهرة . فلمّا اتّصل أخوه أبو عبد اللّه محمد بن فاتك بالأفضل ابن أمير الجيوش ، استعان به وبأخيهما أبي الفضل جعفر . فاستصوب الأفضل فعله ، ورتّب لهما الرواتب الدارّة في اليوم والشهر والسنة . فلمّا استقرّ أبو عبد اللّه بعد قتل الأفضل في الوزارة ، صار إليه تقدمة العساكر وزمّ الأزمّة . ثمّ ولّاه الخليفة الآمر بأحكام اللّه الإسكندريّة والأعمال البحريّة والغربيّة والبحيرة والجزيرتين والدقهليّة والمرتاحيّة في سنة سبع عشرة وخمسمائة ، وخلع عليه بدلة مذهّبة من خاصّ لباسه وطوق ذهب ، وقلّد بسيف قرابه وسقطه « 1 » ذهب بغير منطقة . وشرّف بتقبيل يد الخليفة في مجلسه ، وسلّم إليه تقليده في لفافة مذهّبة . وشدّت الأعلام والقضب الفضّة والعماريّات ، وحمل على يديه أكياس المال برسم التفرقة ، وحجبه الأمراء المطوّقون والأساتذة المحنّكون . وقبّل أبواب القصور ومضى إلى داره . وأطلق له من ارتفاع الإسكندريّة على الولايتين في الشهر خمسمائة دينار . فورد الخبر بأنّ رزين الدولة علي بن تراب والي الصعيد الأدنى وضامنه قتلته لواته وعاثت في البلاد . فخرج المؤتمن ومعه طائفة من المأمونيّة ، وتاج الدولة بهرام زمام الأرمن وجميع طائفته ، وجرّد معه مائة فارس من خيرة « 2 » الأجناد ومن أغنيائهم ، وأضاف إليه أمثالهم مثل علي بن السلّار ، وتاج الملوك قايماز ، وسيف الملك الجمل ، ودرّيّ الحرون ، وحسام الملك بسيل ، وكلّ واحد من هؤلاء له جيش بمفرده . وسارت لواته إلى الفيّوم ونهبوها وأحرقوها ومضوا مغرّبين . فأخذ مواشيهم ، وتبعهم إلى الموضع الذي يقال له الحمّام وأخذ أموالهم وعزم على استئصالهم . فبلغه أنّه قد وصل إلى الإسكندريّة من مراكب الروم والبنادقة نيف وعشرون مركبا . فبادر إلى الثغر ودخله ، فرأى الروم من عسكره ما هالهم فأقلعوا عن الثغر . وأتاه مشايخ لواته ومقدّموهم وسألوه الوساطة بينهم وبين أخيه الوزير المأمون في الصفح عنهم ، على أن يقوموا عن جناياتهم بثلاثين ألف دينار عينا ، أحضروها مع رهائنهم . فقرّر أمرهم على ذلك وقبض المال . ولمّا اتّصل بأهل الإسكندريّة قدومه خرج إليه الفقهاء والقاضي والشهود والتجّار [ 424 ب ] وكافّة الناس ، حتى النساء ، ومعهم المصاحف والشموع ، وسلّموا عليه . فخيّم بظاهر المدينة وخرج إليه الإمام أبو بكر الطرطوشيّ للسلام عليه . فلم يقبل من أحد شيئا سوى من القاضي مكين الدولة أبي طالب أحمد بن حديد قاضي الإسكندريّة وناظرها ، فإنّه قبل ما حمل إليه على حكم الضيافة ثلاثة أيّام . ثمّ أمره بأن لا يعود إلى حمل شيء . وأخرج كتابين من الوزير المأمون ، أحدهما يتضمّن أنّ الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة ، وكذلك الأغنام مع قطيعة العربان . فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة ، ويأمره فيه أن لا يقبل من أحد من التجّار ضيافة ولا هديّة . والكتاب الآخر إلى مكين الدولة بأن يطلق في كلّ يوم من ارتفاع الثغر ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر ، وأن يستخدم عليها من
--> ( 1 ) هكذا في المخطوط ، ولم ندر ما سقط السيف . ( 2 ) في المخطوط : من شره .