المقريزي

394

المقفى الكبير

دينارا ولا درهما إلّا ما حلّ له من أرزاقه . فهمّ حنظلة بقتاله ، ثمّ حجزه عنه الورع ، فإنّه كان ورعا لا يرى القتال إلّا لكافر أو خارجيّ . [ رجوع حنظلة إلى الشام ( سنة 127 ) ] وخرج بمن خفّ معه من أهل الشام في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائة ، ودخل عبد الرحمن القيروان . فدعا حنظلة على أهل إفريقيّة وعلى عبد الرحمن فاستجيب له فيهم : فوقع الطاعون سبع سنين لم يفارقهم إلّا في أوقات متفرّقة ، وقتل عبد الرحمن . وكان حنظلة لمّا مضى من إفريقيّة قدم مصر ونزل بالجيزة وقد امتنع أهل مصر من ولاية حسّان بن عتاهية عليهم . فكتب مروان بن محمد إليهم : أمّا إذا أبيتم ولاية حسّان فقد أمّرت عليكم حنظلة بن صفوان . - فلم يرضوا به وخلعوا مروان ، وجاء رجاء بن الأشيم في عدّة إلى حنظلة وأخرجه إلى الحوف الشرقيّ ومنعه المقام بالفسطاط . فلحق بالشام وأقام بها حتى شهد حصار دمشق مع عبد اللّه بن عليّ . وذكر البلاذريّ أنّه مات بالقيروان وهو وال عليها . وقد روى عنه أبو قبيل ، وحكى عنه محمد بن شعيب بن شابور [ الدمشقيّ المحدّث ] . وكان حسن السيرة في سلطانه . 1314 - حنين البدويّ [ - بعد 678 ] كان ينوب في ناحيتي مليج وشطنوف وهما في إقطاع الأمير سيف [ الدين ] قلاوون الألفيّ . فلمّا تسلطن « 1 » قدم عليه ، ومعه هديّة الريف ، بدا له أنّه له عليه خدم بتقدمة ومعرفة قديمة . ووقف له بالإصطبل وباس الأرض ، فبشّ له وقال له : إيش حسك ؟ قال : يا خوند ، واللّه طيّب ، لكن يا خوند ، عليه الطلاق : إن امرأتي بصرت مناما للسلطان وكذبتها . فلمّا سمعت بالسلطان بقيت تهارتني « 2 » وتقول : كذبتني ! فقال له : وا لك ! وإيش رأت امرأتك ؟ قال : رأت كأنّك قاعد على كرسيّ السلطنة وأنّي قد حضرت إليك ، فقلت لي : وا لك يا حنين ، اذني « 3 » قد صرت سلطانا فتمنّ عليّ ! - فقلت : يا خوند . أتمنّى أن تولّيني الغربيّة . - فخلعت عليّ وولّيتني ، فعند ما رأتني امرأتي بالخلعة أخذتها وقال : هذه حقّ منامي . فتبسّم السلطان وقال : لتروح إلى الشجاعيّ يخلع عليك ويولّيك . فذهب إلى الشجاعيّ وحكى له ما جرى . فنهره وطرده عنه . فعاد إلى السلطان وعرّفه . فطلب الشجاعيّ وقال له : لم لا خلعت على حنين ما حكى لك منام امرأته ؟ فقال : يا خوند ، وبمنام يتولّى حنين الغربيّة ، وقد كان يتولّاها الأمير شهاب الدين ابن يغمور ، تبقى بعده بيد بدويّ فلّاح ؟ فصمّم على ولايته ، فما وسعه إلّا أنّه ولّاه . فباشر الولاية بحرمة عظيمة وسطوة زائدة ، وسفك دماء كثير من المفسدين لمعرفته بهم وبمظانّهم . ولم يغيّر زيّه . وشغف باللهو والطرب . ومن نوادره أنّه سمع بجماعة من كتّاب المحلّة وأعيانها قد اجتمعوا على لهو . وعندهم مغنّيتان

--> ( 1 ) تسلطن المنصور قلاوون سنة 678 ( النجوم 7 / 292 ) . ( 2 ) هرته : طعنه ، ولعلّ المقصود هنا : تخاصمني . ( 3 ) لعلّها كلمة عاميّة : بمعنى : ها أنا ذا .