المقريزي
393
المقفى الكبير
أيّوب الفزاريّ ، وقد جمع جمعا وافرا . فلقيه وهزمه وقتل عامّة أصحابه . فجمع جمعا آخر فلقيه عبد الرحمن وهزمه . فجمع جمعا ثالثا ، وأتاه عبد الواحد بن يزيد الهواري ثمّ المدهميّ « 1 » - وكان صفريّا - عونا له على حنظلة ، فقاتلهما عبد الرحمن فقتل وأصحابه . ومضى عبد الواحد فأخذ تونس ، وسلّم عليه بالخلافة ، وخرج يريد القيروان . ومضى الفزاريّ إليها أيضا ، كلّ منهما يبادر أن يسبق صاحبه . فلمّا رأى حنظلة ما غشيه من جموع البربر احتفر على القيروان خندقا . وزحف عبد الواحد وكتب إلى حنظلة يأمره أن يخلّي له القيروان ومن فيه . فأسقط في يده ، وظنّ أهل القيروان أنّهم سيسبون . وصار حنظلة إذا بعث الرسول ليأتيه بالخبر لا يخرج إلى مسيرة ثلاثة أيّام إلّا بخمسين دينارا . [ وقعة القرن والأصنام ( سنة 125 ) ] فلمّا غشيه عبد الواحد نزل من القيروان على نحو مرحلة بمكان يقال له : الأصنام . ونزل الفزاريّ على ستّة أميال . فكتب حنظلة إلى الفزاريّ كتابا يثبّطه ويمنّيه ، رجاء أن لا يجتمعا عليه فلا يطيقهما . وكان عكاشة أقرب إلى حنظلة . فصبح عبد الواحد الأصنام بجموعه ، وزحف حنظلة إلى الفزاريّ لقربه منه ، ومعه أهل القيروان وقد أيسوا من الحياة لما كانوا يتخوّفونه من سبي الذاريّ وذهاب النساء والأموال . فلقيهم بالأصنام فهزم اللّه عبد الواحد وجمعه ، وقتل من معه قتلا لا يدري ما هو ، وهرب من بقي منهم وعجز عن إحصاء من قتل فعدّهم بالقصب فبلغت عدّتهم مائة ألف وثمانين ألف قتيل . وعاجل عكاشة الفزاريّ من ليلته فقاتله بالقرن وهو على غرّة لم يبلغه ما أصاب عبد الواحد ، فهزمه اللّه ومن معه وأخذ أسيرا فقتله حنظلة . وكانوا كلّهم صفريّة يستحلّون سبي النساء . وكان ذلك في سنة خمس وعشرين [ ومائة ] . فلمّا بلغ الليث بن سعد خبر هذه الوقعة قال : ما غزوة أحبّ إليّ أن أشهدها بعد غزوة بدر من [ 426 أ ] غزوة العرب بالأصنام « 2 » ! وكان حنظلة كتب إلى معاوية بن صفوان [ 421 ب ] عامله على أطرابلس يأمره أن يخرج إليه بمن معه ، فسار إلى قابس ، فبلغه خبر الوقعة . فكتب إليه حنظلة في بربر خرجوا بنفزاوة وسبوا أهل الذمّة أن يسير إليهم ، فمضى بمن معه وقاتلهم فقتل بعد ما قتل الصفريّة واستنقذ ما كانوا أصابوا من أهل الذمّة . فبعث حنظلة زيد بن عمرو الكلبيّ إلى جيش معاوية فعاد بهم إلى إطرابلس . [ ثورة عبد الرحمن بن حبيب ] فلمّا قدم خبر قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، خرج من إفريقيّة عامّة القوّاد ، وفيهم ثعلبة بن سلامة ، إلى الشرق . فثار عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهريّ بتونس وجمع لقتال حنظلة وإخراجه من إفريقيّة . فأرسل إليه حنظلة لمّا بلغه ذلك وجوه إفريقيّة يدعوه إلى الدعة والكفّ عن الفتنة . فأتاهم في طريقهم [ خبر ] ولاية مروان بن محمد الخلافة فهمّوا بالانصراف . فبعث إليهم عبد الرحمن خيلا صرفهم إليه . وكانوا قد كاتبوه سرّا ، فبعث بهم في الحديد إلى تونس ، حنقا من خروجهم إليه . وكتب إلى حنظلة أن يخلّي له القيروان ، وأجّله ثلاثا وكتب إلى صاحب بيت المال [ أن ] لا يعطيه
--> ( 1 ) المدغميّ في الكامل 5 / 193 ( حوادث سنة 117 ) . ( 2 ) عند الرقيق القيروانيّ 122 وابن عذاري 1 / 59 والنويري ( طبعة المغرب ) 218 والسلاوي 1 / 113 : من غزوة القرن والأصنام . وانفرد الكامل 5 / 194 مع مخطوطنا بهذه الرواية : من غزوة العرب بالأصنام .