المقريزي
384
المقفى الكبير
يحيى بن مالك ، أبو يحيى ، مولى غافق . يروي عن هارون بن عبد اللّه الزهريّ وغيره . وآخر من حدّث عنه بمصر محمد بن الربيع بن سليمان الجيزيّ . وكان فقيها يغلب عليه الفقه . توفّي يوم الجمعة لخمس خلون من شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين . 1309 - حميد بن مكّيّ القصّار [ - 517 ] « 1 » [ 421 أ ] حميد بن مكّيّ ، الإطفيحيّ ، القصّار . كان رفيقا لبركات « 2 » الذي استغوى الناس بمصر في أيّام الأفضل ابن أمير الجيوش . فلمّا مات بركات وقتل أصحابه بعد غلق دار العلم « 3 » ، فرّ حميد . فلمّا مات الأفضل عاد حميد وسكن مصر ، يدقّ الثياب . وصار يتردّد إلى دار العلم بعد ما فتحها الوزير المأمون أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ ، ويفسد عقول الناس . وادّعى الربوبيّة فاتّبعه أستاذ وخيّاط وجماعة . فقام في أمره داعي الدعاة وليّ الدولة أبو البركات ابن عبد الحقيق وصار إلى الوزير المأمون وعرّفه عن حميد بأنّه قد عرف طرفا من علم الكلام على مذهب الأشعريّ ، ثمّ إنّه انسلخ من الإسلام وسلك طريق الحلّاج في التمويه ، واستهوى من ضعف عقله وقلّت بصيرته . فقبض على حميد وعلى جميع أصحابه ، ما خلا الخيّاط ، فإنّه فرّ . فنودي عليه وبذل لمن يحضره المال فلم يقدر عليه . وأودع حميد وأصحابه السجن ، وقرّروا فلم يعترفوا بشيء . فلمّا كان بعد أيّام تماوت فأمر بدفنه ، فإذا به حيّ . فترك في السجن . وعرضت البراءة منه على أصحابه ، فمن تبرّأ منهم ، خلّي عنه ، ومن أصرّ ترك في السجن . وعرضت البراءة على الأستاذ فقال : إنّ القتل لا يصل إليه . فأمر بقطع لسانه فقطع ورمي قدّامه . فلم يرجع . وأخرج بحميد والخصيّ في من بقي من أصحابه فصلبوا وضربوا بالنشّاب حتى ماتوا ، وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة سبع عشرة وخمسمائة . ثمّ ظفر بالخيّاط فلم يتبرّأ من حميد ، فصلب بجانبه . وصار [ 421 ب ] أصحابه [ 418 أ ] يأتون بالكافور ويلقونه قريبا من خشبته سرّا ، حتّى إنّ من مرّ هناك يشمّ ريح الكافور ، فيشيع أصحابه أنّ هذا من كراماته التي ظهرت بعد صلبه . فلمّا اشتهر هذا أمر المأمون بحطّ رممهم عن الخشب ودفنهم [ متفرّقين ] ، بحيث لم يعرف قبر حميد [ من قبور أصحابه ] . وكان حميد قصيرا دميم الخلقة ، يتنمّس « 4 » بالدين ويواصل طلوع الجبل في عدّة من أصحابه ، ويصلّي ركعتين ثمّ يحضر إليهم المأكل من الجبل ، فيرى أصحابه أنّه أحضر إليهم ذلك من الغيب . وكانوا يبالغون في تعظيمه حتى إنّهم يخافون الإثم في تأمّل صورته فلا يزالون مطرقين بين يديه . وهم مع ذلك يسألونه الحوائج ، فما منهم أحد إلّا ويستدعي منه بالجبل شيئا على سبيل الامتحان فيحضره إليه لوقته .
--> ( 1 ) ابن ميسّر ( ماسي ) - 64 - ابن المأمون : أخبار مصر ، 44 . ( 2 ) بركات له ترجمة : رقم 1014 . ( 3 ) دار العلم خصّص لها المقريزيّ فصلا في الخطط 2 / 334 - 337 ثمّ ذكر نوبة بركات وصاحبه القصّار هذا . ( 4 ) تنمّس : تظاهر بالتقوى والدين ( دوزي ) .