المقريزي
338
المقفى الكبير
فقالت : كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتختصمون . قال : الحمد للّه الذي قتلكم وأكذب حديثكم . فقالت : الحمد للّه الذي أكرمنا بمحمّد وطهّرنا تطهيرا . ( وفي رواية : الحمد للّه الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم ) . وقال : قد شفى اللّه نفسي من طاغيتك وأهل بيتك . فبكت وقالت : لعمري ، لقد قتلت كهلي ، وأبدت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي . فإن يشفك هذا فقد اشتفيت . فقال : هذه سجّاعة ، وقد كان أبوها شاعرا سجّاعا . فقالت : ما لي وللسجاعة ؟ إنّ لي لشغلا ، ولكن نفثي « 1 » ما أقول . فلمّا وضعت الرؤوس بين يدي ابن زياد ، جعل يضرب بقضيب معه على في الحسين وهو يقول [ الطويل ] : يفلّقن هاما من رجال أعزّة * علينا ، وهم كانوا أعقّ وأظلما « 2 » فقال له زيد بن أرقم : لو نحّيت هذا القضيب ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يضع فاه على موضع هذا القضيب . وقالت حفصة بنت سيرين عن أنس بن مالك : جيء برأس الحسين إلى ابن زياد . فقال : ما رأيت مثل هذا حسنا . قلت له : أما إنّه كان أشبههم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقال أنس بن مالك : شهدت عبيد اللّه بن زياد حيث أتى برأس الحسين . فجعل ينكت بقضيب معه على أسنانه ويقول : إنه كان لحسن الثغر . ( قال : فقلت : واللّه لأسوأنّك ! ) فقلت : أما إنّي قد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقبّل موضع قضيبك من فيه . فأمر ابن زياد برأس الحسين فنصب على خشبة . قال الشعبيّ : رأس الحسين أوّل رأس حمل في الإسلام . وأمر ابن زياد بحبس من قدم به عليه من بقيّة أهل الحسين معه في القصر . فقال ذكوان أبو خالد : خلّ بيني وبين هذه الرؤوس فأدفنها . ففعل . فكفّنها ودفنها بالجبّانة . وركب إلى أجسادهم فكفّنهم ودفنهم . قال المسعوديّ : ودفن أهل الغاضريّة - وهم قوم من بني أسد - الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم « 3 » . وأقبل عمر بن سعد فدخل الكوفة وقال : ما رجع رجل إلى [ 501 أ ] أهله بشرّ ممّا رجعت به : أطعت ابن زياد ، وعصيت اللّه ، وقطعت الرحم . وقدم رسول يزيد بن معاوية يأمر ابن زياد أن يرسل إليه بثقل الحسين ، ومن بقي من ولده وأهل
--> ( 1 ) كلمة أخرى غير مفهومة ، وأخذنا بقراءة الطبريّ ، 5 / 457 إلّا في السجاعة ، فالمقصود في رأينا هو سجع الكهّان ، وإن كانت القواميس لا تقرّ السجاعة مصدرا . ( 2 ) البيت للحصين بن الحمام المرّي وهو في المفضّليّات ص 105 من طبعة أوربّا . ( 3 ) مروج ، 3 / 259 .