المقريزي
32
المقفى الكبير
وفاتك ودرامك وعدّة من قوّاد الإخشيديّة ورجالهم ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وأسر الحسن بن عبيد اللّه وجعفر القرمطيّ وابن الرياحي وفاتك وعدّة من الأعيان في يوم الثلاثاء لسبع خلون من ربيع الآخر [ سنة 359 ] ، وأبعدهم إلى القاهرة في القيود مع ابنه . وأخذ السيف بقيّتهم ، فقتل كثيرا منهم وتمكّن من الرملة ، وذلك للنصف من شهر رجب . وأقام يتتبّع ما للحسن بن عبيد اللّه ولأصحابه من أموال حتى استخلصها . ثمّ سار إلى طبريّة وأخذ يبني قصرا عند جسر الصّنّبرة « 1 » ، وكان على طبريّة فاتك غلام ملهم من قبل الإخشيديّة ، فكاتبه جعفر وخدعه حتى قعد عن الحسن بن عبيد اللّه . وكاتب شمول الإخشيدي وهو على دمشق قد استخلفه عليها الحسن بن عبيد اللّه [ 383 ب ] ، واستماله ووعده ، فتمكّن من طبريّة ، وثقل عليه أمر بني عقيل أهل بلاد حوران والبثنيّة « 2 » الذين أقامهم كافور الإخشيدي ، وهم شبيب بن [ . . . ] وظالم بن مرهوب ، وملهم بن [ . . . ] « 3 » . فاستجلب إليه عرب مرّة وعرب فزارة ، وأوعز إلى من يفتك بفاتك غلام ملهم ، فوقف له عدّة من المغاربة ووثبوا به على حين غفلة ، فجرّد سيفه وضرب رجلا منهم رمى نصف رأسه ، وكثروا عليه وقتلوه . فتبرّأ جعفر من قتله وأظهر جزعا عليه وقبض على الجماعة الذين قتلوه وبعث بهم إلى ملهم « 4 » ، فقال لمّا وصلوا إليه [ 301 ب ] : هو غلامي ومملوكي وقد وهبته للقائد - وأطلق الجماعة الذين قتلوه . واتّفق من الأمر الرديء لأهل دمشق أنّ مشايخ أهلها لمّا بلغهم قدوم جعفر بن فلاح إلى طبريّة خرجوا إلى لقائه ، وفيهم عقيل بن الحسن بن الحسين العلويّ و [ أبو القاسم إسماعيل ] بن أبي يعلى العبّاسيّ ، فوافوا يوم دخولهم إلى طبريّة قتل فاتك ، وقد ثارت فتنة ، والمغاربة ركبانا ، وفيهم من يأخذ الناس ، فقصدوا أهل دمشق فأخذوهم وجرّدوهم من ثيابهم وسبّوهم وتوعّدوهم وقالوا لهم : أو ذا نحن سائرون إليكم ! - فصاروا في أسوإ حال قد أخذت أثقالهم وثيابهم . فلقوا جعفر بن فلاح وعادوا إلى دمشق فأخبروا الناس بما جرى عليهم من الوعيد وأنّهم لقوا قوما جفاة قباح المنظر والزيّ والكلام ناقصي العقول . فاستوحشت قلوب أهل دمشق من المغاربة . وكان شمول قد خرج إلى لقاء جعفر بن فلاح وخلت مدينة دمشق من السلطان ، فطمع الطامع ، وكثر الذعّار وحمّال السلاح . واتّفق أيضا أنّ جعفر [ ا ] لمّا قتل فاتك [ ا ] عمل في قلع بني عقيل من أرض حوران والبثنيّة ، فأنفذ إليهم مرّة وفزارة ، وجهّز بعدهم جيشا من المغاربة . فالتقى القوم وأدركهم المغاربة فانهزم العقيليّون وتبعوهم إلى أرض حمص . ثمّ عادوا عنهم ومالوا على جبل سنير « 5 » الذي يقال له اليوم جبل الثلج فنهبوا ، ونزلوا الغوطة فجالوا فيها وساروا حتّى نزلوا على نهر يزيد نحو الدكّة « 6 » . فثار عليهم أهل دمشق وقاتلوهم وقتلوا منهم [ رجلا ] « 7 » من العرب يقال له عيسى بن دهاس الفزاريّ ، وهزموهم عن
--> ( 1 ) الصنبرة على نهر الأردنّ ، على ثلاثة أميال من طبريّة . ( 2 ) البثنية : قرية من نواحي دمشق . ( 3 ) بقيّة الاسمين بيضاء بالمخطوط وكذلك في الاتّعاظ 1 / 174 . ( 4 ) في المخطوط : إلى ابن ملهم ، والتصويب من الاتّعاظ . ( 5 ) جبل سنير : بين حمص وبعلبك ( ياقوت : سنير ) . ( 6 ) موضع من غوطة دمشق ، وفي هامش ابن القلانسيّ 2 : هي اليوم الدوّاسة . ( 7 ) في المخطوط : وقتلوا منهم كثيرا من العرب يقال له . . . ولعلّ في المتن سقوطا .