المقريزي

296

المقفى الكبير

سببه . وكانت عادتي إذا لحقني مثل ذلك أن أخرج جوهرا عندي في درج معدّة لهذا ، من ياقوت أحمر وأزرق وأصفر ، وحبّا كبيرا فاخرا تكون قيمته خمسين ألف دينار وأكثر ، وأستدعي صينيّة ذهب لطيفة ، فأجعله فيها وألعب به وأقلّبه ، فيزول ضيق صدري . فاستدعيت ذلك الدرج فجاءوني به بلا صينيّة فأنكرت ذلك وأمرت بإحضارها . وفتحت الدرج ففرّغت ما فيه في حجري ورددته على الخادم وأنفذته يجيئني بالصينيّة ، وأنا جالس على بستان في صحن داري في يوم بارد طيّب الشمس ، وهو مزهر بصنوف الشقائق والمناثير « 1 » . و [ بينا ] أنا ألعب بتلك الجواهر إذ دخل الناس إليّ بالصياح والزعقات بالمكروه والكبس ، وقربوا منّي . فدهشت ، ولم أحبّ أن يظهروا على ما في حجري ، فنفضت جميعه بين تلك الأزهار في البستان ، ولم ينتبهوا إليه . وأخذت فحملت وجرى عليّ من المصادرات ما جرى ، وبقيت في الحبس المدّة الطويلة التي حبستها ، وانقلبت الفصول على البستان فجفّ ما فيه ، ولم يفكّر أحد في قلعة أو زراعته وإثارته . وأغلقت الدار ، فما قرّ بها أحد من أسبابي ولا أعدائي بعد الذي أخذ منها ، وفرّغت ووقع الإياس من وجود شيء فيها . ثمّ سهّل اللّه تعالى إطلاقي ، فأطلقت . فحين جئت إلى داري ورأيت الموضع الذي كنت جالسا فيه ذلك اليوم ، ذكرت ذلك الجوهر الذي كان في حجري ، ونفضي إيّاه في البستان . فقلت : ترى بقي منه شيء ؟ ثمّ قلت : هيهات ! - وأمسكت . [ . . . وكنز عند الشدائد ] فلمّا كان من غد أخليت الدار ، وقمت بنفسي ، ومعي غلام يثير البستان بين يديّ ، وأنا أفتّش شيئا شيئا [ 388 ب ] ما يثيره ، وأجد فيه الواحدة بعد الواحدة من ذلك الجوهر ، وكلّما وجدت شيئا منه حرصت على الإثارة وطلبت الباقي إلى أن أثرت جميع البستان . فوجدت جميع ذلك الجوهر ما ضاع منه واحدة . فأخذته وطابت نفسي بذلك وعلمت أنّه قد بقيت بقيّة من الإقبال صالحة . وقال في كتاب نشوار المحاضرة : سمعت الأمير أبا محمد جعفر بن ورقاء يحدّث ، قال : اجتزت بابن الجصّاص بعد إطلاقه ، فرأيته كالمجنون فلمّا رآني استحيى . فقلت : ويحك ، ما الذي أصابك ؟ . فقال : أولا يحقّ لي أن يذهب عقلي وقد خرج عن يدي كذا وكذا - وجعل يردّد أمرا عظيما ممّا خرج عنه . فقلت له : يا هذا ، إنّ نهايات الأمور غير مدركة ، وإنّما يجب أن تعلم أنّ النفوس لا عوض لها ، والعقول والأديان لا خلف منها ، وهي قد سلمت لك . وإنّما يعلق هذا العلق من يخاف الفقر أو الحاجة إلى الناس ، أو فقد العادات من مأكول ومشروب وملبوس وما جرى هذا المجرى ، أو النقصان في الجاه . وليس في بغداد اليوم ، بعد ما خرج عنك ، أيسر منك من أصحاب الطيالسة . أليس دارك هذه لك ، وفيها من الفرش والأثاث ما فيه جمال لك ، وإن لم يكن ذلك الكثير المفرط ؟ قال : بلى . قلت : ودار كذا ، وقيمتها عشرة آلاف دينار ؟ قال : بلى . قلت : وعقارك بباب الطاق ، وقيمته ثلاثون ألف دينار ؟ قال : بلى .

--> ( 1 ) ج المنثورة : زهرة ذكيّة الرائحة .