المقريزي
294
المقفى الكبير
شيء كثير إلى الغاية من دور وقماش وأموال وضياع . [ بداية جدّه ] وكان بدء أمره أنّه كان في دهليز حرم خمارويه [ بن أحمد ] بن طولون ، وكان يتوكّل له ولهم في ابتياع الجوهر وغيره ، ممّا يحتاجون إليه ، فلم يكن يفارق الدهليز لاختصاصه بهم . فخرجت إليه قهرمانة في بعض الأيّام بعقد جوهر فيه مائتا حبّة ، لم ير قبله أفخر ولا أحسن منه ، تساوي كلّ حبّة منه ألف دينار . وقالت : نحتاج أن تخرط هذه [ حتّى ] تصغر فتجعل لأربع لعب . فأخذها وقال : السمع والطاعة ! - وخرج في الحال وهو مسرور ، فجمع التجّار ، ولم يزل يشتري ما قدر عليه إلى أن حصل مائة حبّة أشكالا في النوع الذي قدر عليه . وجاء بها عشيّا وقال : إنّ خرط هذا يحتاج إلى زمان وانتظار . وقد خرطنا اليوم ما قدرنا عليه ، وهو هذا - ودفع إليها المجتمع - وقال : الباقي يخرط في أيّام . فقنعت بذلك ورضيته . فما زال في طلب الباقي حتّى اجتمع فحمله إليهم حتى كملت المائتا حبّة وقد قامت عليه بدون مائة ألف درهم ، وحصل له جوهر بمائتي ألف دينار . فلزم دهليزهم وأخذ غرفة فيه فسكنها . ( قال : ) وكان لحقني من هذا أكثر من أن يحصى حتّى كثرت النعمة وانتهيت إلى ما استفاض خبره . وقد نسبه جماعة إلى الحمق والنوكة والغفلة ، وحكوا عنه في ذلك حكايات كثيرة . وذهب آخرون إلى أنّه إنّما كان يتظاهر بذلك ليرى الوزراء هذا [ التغفيل ] منه فيأمنوه [ على أنفسهم ] إذا خلا بالخلفاء . [ توليه الوكالة والسفارة لخمارويه ] ولمّا ولي أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون أخرجه من الاعتقال ، وما يملك درهما واحدا . فجعله وكيلا له يتولّى جميع ما يشترى في داره من حاجة بدرهم فما فوقه . ثمّ بعثه إلى العراق بهديّة إلى أمير المؤمنين المعتضد باللّه أبي العبّاس أحمد ابن الموفّق . فخلع عليه المعتضد لمّا قدم عليه بالهديّة ، في شوّال سنة تسع وسبعين ومائتين ، وعلى سبعة معه . وعاد إلى الفسطاط بأجوبة الكتب وتجديد العهد لأبي الجيش . وقدّم إلى أبي الجيش عقدا أوهمه أنّه ولّاه « 1 » إيّاه برأس ماله فباعه منه بثمانين ألف دينار ، وكان شراؤه عليه خمسة وعشرين ألف دينار . واتّسع حاله وكثرت أمواله حتى قال أبو بكر محمد بن علي الماذرائيّ : عرضت لي حاجة إلى ابن الجصّاص ، فسألت عنه ، فقيل : هو في البستان . فأتيت بستانه فاستؤذن لي عليه فدخلت . وجلسنا نتحادث ، إذ قيل : رسول الأمير بالباب . فقال : يدخل . فدخل خادم ومعه رقعة فيها : احتجنا يا أبا عبد اللّه أعزّك اللّه ، إلى ألف دينار سنديّ للطلي ، فتوجّه بذلك إلينا إن شاء اللّه . فقال : يا جارية ، بدرة سندي ! فجاءت ببدرة . فقال لها : ليس هذه ، هاتي غيرها ! فجاءت بأخرى فردّها أيضا حتى جاءت في الكرّة الرابعة ببدرة ، فقال : افتحيها وزني منها ألف دينار ! ففتحت البدرة ووزنت ألف مثقال وشدّتها في صرّة ، وختمها ودفعها للخادم . وشدّت البدرة وختمت وردّت .
--> ( 1 ) هكذا في المخطوط ولعلّها تعني : جعله تلوه أي أعطاه إيّاه .