المقريزي

287

المقفى الكبير

فبعث المكتفي باللّه الحسين بن حمدان في جماعة من القوّاد لمحاربته . فقدم دمشق والقرمطيّ بطبريّة . فلمّا علم بالحسين سار نحو السماوة فتبعه الحسين ، وصار القرمطيّ يغوّر « 1 » المياه التي يرحل عنها . فعاد الحسين عنه على الرحبة ، ووافى القرمطيّ هيت لتسع بقين من شعبان فنهب وقتل . فبعث المكتفي إليه محمّد بن إسحاق بن كنداج على جيش كثيف . ثم أتبعه بمؤنس . وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة . فلمّا أحسّ أصحاب القرمطيّ بذلك ائتمروا به ، وقتله شخص من أتباعه يقال له الذئب بن القائم ، وشخص إلى بغداد متقرّبا بذلك ، فأكرم وأجيز ، وكفّ عن طلب قومه . فاختلف رأي القرامطة بعد ذلك وتقاتلوا وافترقوا . ولم يزل الحسين يبعث في طلب الثوّار إلى أن كانت خلافة المقتدر ، [ 490 أ ] واجتمع القوّاد في سنة ستّ وتسعين ومائتين على خلعه وولاية عبد اللّه بن المعتزّ ، وكان القائم في ذلك الوزير العبّاس بن الحسن ومحمد بن الجرّاح « 2 » وغيره ، ومن القوّاد الحسين بن حمدان في آخرين . ثمّ إن الوزير بدا له ، فوثبوا وقتلوه ، وتولّى قتله الحسين وبدر [ الأعجمي ] ووصيف [ بن صوارتكين ] وقتلوا معه فاتكا « 3 » [ المعتضدي ] . وخلع المقتدر الحادي والعشرين من ربيع الأوّل ، وبويع ابن المعتزّ . وركض الحسين إلى المقتدر ليقتله ففاته ، وعاد ولمّا أصبح بكّر إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والغلمان والرجّالة من وراء السور عامّة النهار . فانصرف عنهم آخر النهار . فلمّا جنّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله وأتباعه إلى الموصل ، لا يدرى لم فعل ذلك ؟ فأصبح الناس وقد فرّق المقتدر السلاح على من معه ، وخرجوا ، فهرب أصحاب ابن المعتزّ من قبل أن يصلوا إليهم . وقال بعضهم لبعض : إنّ الحسين بن حمدان عرف ما يجري « 4 » فلهذا هرب من الليل ، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر ، وهذا كان سبب هربه . وانحلّ أمر ابن المعتزّ ، وعاد المقتدر إلى الخلافة وبعث العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان فتبعوه إلى الموصل فلم يظفروا به وعادوا . ثمّ خرج القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلبه فلم يظفروا به . فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد اللّه بن [ 385 ب ] حمدان أمير الموصل يأمره بطلب أخيه الحسين ، فسار هو والقاسم بن سيما ، فالتقوا عند تكريت ، فانهزم الحسين وبعث أخاه إبراهيم يطلب له الأمان ، فأجيب إلى ذلك . ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاشان ، فسار إليها « 5 » . ثمّ خرج عن طاعة المقتدر في سنة ثلاث وثلاثمائة وجمع نحو عشرة آلاف . وسبب ذلك أنّ الوزير عليّ بن عيسى [ بن الجرّاح ] طالبه بمال عليه من ديار ربيعة ، وهو يتولّاها . فدافعه فأمره

--> - وعمّي الذي أردى الوزير وفاتكا * وما الفارس الفتّاك إلّا المجاهر . . . وسار إلى دار الخلافة عنوة * فحرّقها ، والجيش بالدار دائر ( 1 ) غوّر الماء : أراقه حتى تشربه الأرض . وانظر استعراض هذه الحوادث في الاتعاظ 1 / 175 وعند الطبري 10 / 122 . ( 2 ) الوزير العبّاس بن الحسن بن داود الجرجرائيّ ، ومحمد بن داود بن الجرّاح تحالفا مع الحسين بن حمدان على خلع المقتدر وتولية عبد اللّه بن المعتزّ ، انظر رسالة ماريوس كانار عن الأسرة الحمدانيّة ص 324 . والكامل تحت سنة 296 . ( 3 ) افتخر أبو فراس الحمدانيّ بهذه الفعلة في قصيدته الرائيّة المعروفة فقال [ الطويل ] : ( 4 ) في المخطوط : ما يريد يجري . ( 5 ) كانار : الأسرة الحمدانيّة ، 334 .