المقريزي

259

المقفى الكبير

معي كاتبا ، لما أعلمه منهم من الجرأة ولطف الحيلة ، وأنّهم للعامل الخائن أوفق منهم للنّاصح ، وأحبّ أن يصحبني ولدك هذا وتؤثرني به ، فإنّي أقنع به وأرجو أن يحسن تأديبي له . [ دخوله مصر في خدمة حسين عرق الموت ] فلم يمكنه مخالفته وأسلمه إليه ، وقدم به إلى مصر ، وألزم نفسه تأديب الحسن وتقويمه كما يتولّى الوالد من ولده . ثمّ سلّم إليه ديوان البريد ووصّاه وصيّة حسنة قد ذكرت في ترجمة حسين الخادم « 1 » ، وأعطاه أربعة آلاف دينار . ثمّ لم يخدم بعده أحدا ، واتّجر في ماله ، إلى أن شنأت نفس أحمد بن طولون الكتّاب بما وقف عليه من حال أحمد بن مفضّل وجرأته على اليمين الكاذبة ، واحتاج من يقوم مقامه . فسنح ذكر حسن بن مهاجر هذا ، فأحضره وسأله عن مبدأ أمره ، وسبب تعلّقه بحسين الخادم . فأخبره بما كان من أمره وما وصّاه به حسين ، فقال : ما أحبّ من كاتبي إلّا ما وصّاك به صاحبك ، لا زيادة عليه ولا نقصان منه . ثمّ قال له : وكم أعطاك صاحبك ؟ قال : أعطاني أربعة آلاف دينار . فقال أحمد : قد أمرت لك بمائة ألف دينار ، وإذا جريت على ما وصّاك به صاحبك فهذا المال قليل لك من كثير من عندي يصير إليك . [ انتقاله إلى خدمة أحمد بن طولون ] وخلع عليه وألزمه خدمته ، وكانت المائة ألف التي أخذها ابن مهاجر هي التي أخذها أحمد بن طولون من مال أحمد بن مفضّل عند نكبته إيّاه . فباشر ابن مهاجر ، ولم ينكر أحمد بن طولون منه إلّا تحامله على الناس . فحظي عنده بذلك ، فقال له يوما : قد صحّت نصيحتك عندي ، وأنت غير محتاج أن تتحامل على أحد لتزداد منزلة عندي . وأنت تجني على نفسك من الآثام بذلك ، واستيحاش الناس منّي أكثر ممّا تحرزه من الحظّ . واعلم أنّك تزرع في قلوب الناس بما تأتيه حقد [ ا ] لا تفنيه الأيّام بل تتوارثه الأعقاب . فاطلب الشكر من الناس ، فليس يكرهه إلّا ناقص المعرفة ، جاهل بما توجبه [ 521 ب ] السياسة ، غير عالم بما توجبه النصيحة ، فميّز الناس تمييز عادل فالق شرارهم بالغلظة وخيارهم بالرأفة . وجرى في مجلس ابن عبد كان ذكر محبوب بن رجاء وحسن بن مهاجر ، فطعن عليهما أكثر الحاضرين . فقال ابن عبدكان : الصدق أجمل مأثور : في كلّ منهما فضل بيّن ، وإنّهما لعلى أفضل طريقة . أمّا محبوب فسريع الجواب حسن الانتزاع حلو المكاتبة . وأمّا ابن مهاجر فوقور مستصغر لنصيحة من ينصحه ، بعيد الغور ، لا يؤثر ، على توفّر مال صاحبه ولا ما يزيّن حاله عنده ، شيئا من أعراض الدنيا . ولقد اجتمعت وقت المناظرة وكلّ واحد منهما حنق على صاحبه ، فقال حسن لمحبوب : أمرني الأمير أن أجلس في حلقك حتّى يفضل ما أثبتّه من الحساب الذي رفعته . فقال له محبوب في وقته : إذا جلست في حلقي قذفتك في المخرج ! فأضحك جميع من حضر وانقطع ابن مهاجر ساعة ، ثم تناظرا فقال محبوب لحسن : أنت شابّ غرّ حدث ، والصواب لك أن تستشعر خوف الأمير . فقال حسن : واللّه ما أخافه !

--> ( 1 ) هي الترجمة رقم 1267 .