المقريزي

247

المقفى الكبير

جماعة من أصحاب الراتب ، وفرّق كثيرا من جوار في القصر على الناس ، وكان فيه من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم ، فباع من اختار البيع وأعتق من سأل العتق ، كلّ ذلك طلبا للتوفير . وحمل إلى سلمان بن فلاح جلّ رحل العزيز وأمتعته . واصطنع أحداث المغاربة ، فكثر عبثهم وامتدّت أيديهم إلى أخذ الحرم من الطرقات ، وسلبوا الناس في الشوارع وغيرها . فكثرت شكاية الناس منهم فلم يمسكهم « 1 » . ثمّ إنّه فرّط في الأمر حتى تعرّضوا لغلمان الأتراك يريدون أخذ ثيابهم . فثار بسبب هذا شرّ قتل فيه واحد من المغاربة وغلام من الأتراك . فاجتمع شيوخ الطائفتين وصاروا أحزابا . فقام ابن عمّار في نصرة المغاربة ، ووقعت الحرب بين الفريقين ، وقتل جماعة منهما . فانطلقت الألسنة من كلّ منهما بالقبيح في حقّ الآخر ، وأقاموا على المصافّ يوم الثلاثاء [ 373 ب ] ويوم الأربعاء تاسع شعبان . فركب بينهما ابن عمّار يوم الخميس بآلة الحرب وحفّت به المغاربة . وتجمّعت الأتراك ، وكانت بينهما وقائع قتل فيها عدّة رجال وجرح كثير ، وجمعت الرؤوس بين يدي ابن عمّار . فأنكر ذلك وعرف أنّه أخطأ في ركوبه ، فعاد إلى داره . ونزل إليه برجوان « 2 » ليصلح بينه وبين الأتراك . فعند ما دخل إليه برجوان ركب غلمان الأتراك دار ابن عمّار فعاد برجوان إلى القصر ، وامتدّت أيدي النهابة إلى دار ابن عمّار وإصطبلاته ، وإلى دار رشأ غلامه ، فأخذوا منها ما لا يحصى كثرة . وكان أكثر من نهب المغاربة الذين اصطنع أحداثهم . فسقط في يده ونجا بنفسه إلى داره بمصر ليلة الجمعة لثلاث بقين من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وعزل « 3 » عن النظر ، فكانت مدّة أيّام نظره أحد عشر شهرا ينقص خمسة أيّام . ولزم داره بمصر سبعة وعشرين يوما . ثمّ خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة فعاد وترك داره ليلة الجمعة خامس عشرين شهر رمضان . وأقام بها لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلّا أتباعه وخدمه . ورسم بإطلاق رسومه وجرايات حشمه وكلّ ما كان له في أيّام نظره من فاكهة وثلج وغيره ، ومبلغ ذلك من ثمن اللحم والحيوان والفواكه والتوابل خمسمائة دينار في كلّ شهر ، وسلّة فاكهة في كلّ [ يوم ] بدينار ، وعشرة أرطال شمع كلّ يوم وحمل ثلج عن يومين . فلم يزل ملازما لداره إلى أن أذن له في الركوب يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين . فركب إلى القصر ونزل موضع نزول الناس بأسرهم . وواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشره . فأحضر عشيّة إلى القصر وجلس به إلى عشاء الآخرة ، ثم أذن له في الانصراف . فعند ما قام ثار به جماعة من الأتراك قد أعدّوا لقتله فقتلوه واحتزّوا رأسه ودفنوه موضعه « 4 » . ثمّ سأل أهله في نقله إلى تربته ، فحمل إليها بالقرافة . وكانت مدّة إقامته بعد عزله عن النظر إلى أن قتل ثلاث سنين وشهرا واحدا وثمانية عشر يوما « 5 » .

--> ( 1 ) في المخطوط : فلم يشكهم . ( 2 ) برجوان الأستاذ كان بمثابة الوزير . ( 3 ) في المخطوط : وأعزل . ( 4 ) رواية الاتّعاظ 2 / 36 مماثلة لما في المقفّى . ( 5 ) هذه الترجمة المفصّلة تتناول جانبين من حياة هذا الأمير الصقلّيّ : حياته بصقلّيّة وجهاده للروم بها ، وحياته بالقاهرة في بلاط العزيز فالحاكم ، ويبدو أنّ حركته بمصر كانت أوسع ، ونفوذه أقوى . أو لعلّ المقريزي غلّب الفترة المصريّة على الطور الصقلّيّ . وأهمّيّة الترجمة تكمن في ما تنقله من مظاهر الصراع بين المغاربة ، أي الكتاميّين حلفاء الحسن بن عمّار وسنده ، والأتراك خدم القصر وقوّاد الجيش . وكذلك العداوة الدفينة أو الصريحة التي يكنّها المصريّون لهؤلاء المغاربة المتعسّفين الذين لا يردعهم رادع ولا يزعهم وازع .