المقريزي

236

المقفى الكبير

ولد مستهلّ المحرّم سنة ثمان وثمانين وخمسمائة . وكانت أمّه ابنة [ القاضي شهاب الدين ] ابن أبي عصرون قد أرضعت الملك الكامل محمّد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب ، فصار هو وإخوته : فخر الدين يوسف ، وعماد الدين عمر ، وكمال الدين أحمد ، إخوة الكامل من الرضاعة ، فرقّاهم الرتب العالية ، وولّى معين الدين مشيخة الشيوخ . وبعثه في الرسالة إلى بغداد لمّا مات أمير المؤمنين الظاهر بأمر اللّه محمد ابن الناصر وقام من بعده في الخلافة ابنه أمير المؤمنين المستنصر باللّه أبو جعفر المنصور . فلمّا قدمها وقف بدار الوزارة وقال مسلّما عن مرسله ، والوزير إذ ذاك مؤيّد الدين [ أبو الحسن محمد بن محمد القمّي ] « 1 » : عبد الدولة المقدّسة النبويّة المستنصريّة محمد بن أبي بكر بن أيّوب يقبّل العتبات التي يستشفى بتقبيل ثراها ، ويتمسّك من عبوديتها « 2 » بأوثق عراها ، ويوالي شكر اللّه تعالى على إماطة ليل العزاء الذي عمّ مصابه ، بصبح الهناء الذي تمّ نصابه ، حتى تزحزح عن شمس الهدى شفق الإشفاق ، وصوّح نبت الردى في نفق النفاق ، فامتازت الخلافة المعظّمة من مستنصرها بالمثل الأعلى ، وفاز عبد دولتها من ولايتها بالقدح المعلّى ، جعل اللّه كلمتها العليا وكلمة أعدائها السفلى ، وضمّ شرف الأخرى بجلال مجدها إلى شرف الأولى مصلّيا ومستلما ، ومقبلا وملتزما أبدا ، إن شاء اللّه تعالى . فكان الفصل منه عزاء وهناء في هذه الكلمات المختصرة . فلمّا قدم إلى القاهرة بعثه في الرسالة ، ومعه أخوه كمال الدين أحمد وقاضي العسكر شمس الدين محمد الأرموي ، إلى الملك المعظّم عيسى صاحب دمشق في شعبان سنة أربع وعشرين وستّمائة ، على أن يسير الكمال بجواب المعظّم إلى المجاهد صاحب حمص ، ويتوجّه المعين إلى بغداد برسالة إلى الديوان العزيز . ثمّ أقامه السلطان بعد عوده يتحدّث في الأموال ، وسمّاه نائب الوزارة ، واعتمد عليه في مهمّات أموره إلى أن مات . فقام مع إخوته في تحليف العساكر للملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل حتى تمّت له السلطنة ، وقدموا إلى القاهرة . فأقام في خدمة الملك العادل إلى أن خلع من السلطنة بأخيه الملك الصالح نجم الدين أيّوب . فاستوزره في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستّمائة قبل الظهر بالبركة خارج القاهرة ، وسلّم إليه أمور المملكة بأسرها فشرع في التدبير ونظر في مصالح البلاد . فاتّفق في سنة أربعين أنّ بعض غلمانه بنى بأمره على سطح مسجد بمدينة مصر مكانا تضرب فيه طبلخانات الوزارة . فأنكر ذلك الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام قاضي مصر ومضى بنفسه وأولاده إلى أن هدم البناء ونقل ما كان فوق سطح المسجد . ثمّ أشهد على نفسه أنّه قد أسقط شهادة الصاحب الوزير معين الدين ، وأنّه قد عزل نفسه من وظيفة قضاء مصر والوجه القبليّ . فشقّ ذلك على السلطان « 3 » . وفي سنة اثنتين وأربعين وستّمائة جهّزه الملك الصالح على العساكر ومعه الدهليز السلطانيّ والخزائن ، وأقامه مقام نفسه وأذن له أن يجلس على رأس السماط ويركب بهيئة الملوك ، وأن يقف

--> ( 1 ) الزيادة من السلوك 1 / 221 ، ومات الظاهر العبّاسيّ في رجب 623 . ( 2 ) في السلوك 1 / 221 : ويستكفى بتمسّكه من . . . ( 3 ) الخبر في السلوك 1 / 312 .