المقريزي

223

المقفى الكبير

[ حسن احتمائه في المأكل والمشرب ] وحدّثت بعض من كان [ ت ] تقوم بخدمته من النساء ، قالت : كنت أتولّى صلاح ما يشربه من الدواء في كلّ يوم ، وكان لا يعطّل شربه يوما واحدا . وذلك أنّه كان يشرب السكنجبين والورد أسبوعا ، ثمّ يريح نفسه ثلاثة أيّام ، ثمّ يشرب النّقوع المغلّى في الشتاء ، والمنجّم في الصيف ، أسبوعا لكل منهما . ويشرب ماء البزور أسبوعا ، ويشرب ماء الجبن ثلاثة أيّام ، ويشرب ماء البقل أسبوعا ، ثمّ يشرب الراوند « 1 » المنقوع كذلك ، ويريح نفسه بين كلّ دواءين ثلاثة أيّام ، ولا يخلّ بذلك في صيف ولا شتاء . وكان نديّ الوجه كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفه إلّا لضرورة . ولم يسمع منه قطّ في سؤال لفظة « لا » بل كان إذا سئل فيما يرى إجابة سؤاله إليه يقول « نعم » بإخفاض من طرفه وخفوت من صوته . فإذا سئل فيما لا يرى الإجابة إليه يطرق ولا يرفع بصره . وعرف هذا منه ، وكان لا يراجع فيه إلّا بعد مدّة . وكان كلّ من يحضر مائدته يستدعي منه الحضور بين يديه ليلا ليسمروا عنده . وكان فيهم من يشرب المسكر ، فإذا حضروا عرف [ 365 ب ] كلّ منهم مجلسه الذي تقرّر له . وكان كلّ من لا يشرب النبيذ يجلس عن يمينه ، ومن يستعمله يجلس عن يساره ، وتوضع بين يدي كلّ منهم الفواكه الرطبة واليابسة ، ويتفرّد من لا يشرب بحلاوة توضع بين يديه ، ومن يشرب يعمل بين يديه ما يستعمله ، وستارة الغناء مضروبة . فيجلسون بين يديه ، وهو مشغول يوقّع ، وهم يتحدّثون همسا وإشارة ، إلى أن ينقضي أربه من التواقيع ، فيسند ظهره وينشّطهم للحديث فيتحدّثون . ويقول لمن عن يمينه : قد تجدّد اليوم كذا وكذا ، فما عندكم فيه ؟ فيقولون : سعادة حضرة سيّدنا تمهّد له صواب الآراء ، وقد خصّها اللّه تعالى من ذلك بما لا تهتدي عبيدها إليه . [ لجوءه الدائم إلى المشورة ] فيقول : بل يقول كلّ منكم ما عنده في ذلك ، ولا يقوم في نفس واحد منكم أنّ ما رآه خطأ فيمسك عن ذكره ، فربّما كان الصواب مقرونا بذلك الرأي وهو ضالّة « 2 » من لم تجر عادته بإنعام الفكرة فيه . فيصقع « 3 » أحدهم ويقول : الذي يراه العبد على وجه الخدمة كذا وكذا . فلا يزال يسمع من واحد واحد حتى يستكمل الجماعة ، ثمّ يعطف على شماله فيقول : قولوا ! فيفعلون كفعل الأوّلين ، وهو يسمع ولا يردّ على أحد شيئا ، فلا يصوّب المصيب ولا يخطّئ المخطئ ، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يتمحّض له الصواب ، ويصبح يرمي فلا يخطئ . وهكذا كانت أفعاله طول مدّته ، لم يستبدّ قطّ برأيه ولا أنف من المشورة ، بل يقول : المستبدّ برأيه واقف على مداحض الزلل ، وفي الاستشارة حلّ عقول الرجال . وبهذا العقل تمّ له ما كان يدبّره حتى أثّر في

--> ( 1 ) السكنجبين : شراب مركّب من خلّ وعسل ، والروند والراوند هو الريباس أو الرمّان الهنديّ ( أدّي شير : معجم الألفاظ الفارسيّة المعرّبة ) . والنّقوع شراب من زبيب مصبّر ( منقوع ) في الماء ، والمنجّم منه المطروح ليلا تحت السماء لتبريده ( اللسان ودوزي ) . والورد هنا لعلّه ورد النيل أي باقلّاء القبطي الذي يؤكل ( معجم خيّاط وحديقة الأزهار للوزير الغسّاني ) . ( 2 ) في المخطوط : ضالّة تصيبه من لم . . . ( 3 ) صقع بصوته : رفعه .