المقريزي

214

المقفى الكبير

وطلع إلى الوزير وعرّفه الحال ، فقال : ما أخّرنا ذلك عنهم إلّا لأنّ السنة كثيرة النفقات والطوارئ . ولكن هذه ألف دينار ، فخذها وأنفقها فيهم إلى أن نحمل باقي مالهم مع مال العسكر . فأخذ الألف وعاد إليهم وعرّفهم ما قال الوزير ، فامتنعوا من أخذ الألف ، وذكروا أنّهم قد تعبوا وكلّفوه المسير معهم ولا يرجعون إلّا بعد قبض الثلاثة آلاف . وألزموه بالعود . فعاد وعرّف الوزير ما كان منهم ، فغضب وأمر لهم بألف أخرى ، وقال : قد ذكرنا لك أنّا لم نؤخّر عنهم ذلك إلّا لضيق الحال وانتظار ما يصل من الرّيف ، فنحمل إليهم باقي استحقاقهم . ولم يبق الآن إلّا ألف ، ونحن نحمل إليهم ذلك بعد هذا . [ قهره لبني قرّة الثائرين وإجلاؤهم عن البحيرة ] فعاد إليهم ناصر الدولة ، فأبوا إلّا أخذ الجميع ، وأنّهم لا يبرحون من مكانهم إلّا بجميع ما يستحقّونه وجفوا في الخطاب ، فعاد إلى الوزير وعرّفه ما كان منهم . فاشتدّ غضبه وقال : إجابتهم إلى ما التمسوه دفعة بعد أخرى طمّعهم . وو اللّه لا أطلقت لهم درهما واحدا ! - واستعاد الألفي دينار من ناصر الدولة ، وتقدّم بتجريد العسكر لهم ، فتسرّع من خفّ مع يمن الدولة « 1 » كافور الشرابيّ وساروا إليهم ، فإذا بهم متأهّبين للقائهم ، فجرت بينهم نوبة قتل فيها اثنان من العسكر ، وحال بينهما الليل . فلمّا بلغ ذلك الوزير عظم عليه إقدامهم على العسكر ، سيّما بني قرّة ، فإنّهم كانوا أشدّ حربا من الطلحيّين . وكان بالقاهرة من مقدّم [ ي ] هم ثلاثة نفر ، وهم ضيوف مكرمون ، فأشير على الوزير بقبضهم ليكفّ عادية باقي بني قرّة . فاستدعى صاحب الستر سيف الدولة مبشّر ، ومتولّي الشرطة سنان الدولة ابن جابر ، ومتولّي الصناعة عظيم الدولة عطاء ، وأمرهم بأخذ الثلاثة ليلا وتسييرهم تحت الحفظ والحوطة إلى الجيزة والتحيّز بهم عن العسكر إلى حيث يأمنون على أنفسهم ، وتخلية سبيلهم ، ففعلوا ذلك . وأصبح الناس وقد علموا بمضيّهم . وكلّموا الوزير في ذلك فقال : قبح السمعة في القبض عليهم وهم في ضيافتنا منعني من ذلك . فهم في هذه الحال كالحرم ، فلم أستجز فعل ذلك ، بل أطلقتهم ، وو اللّه لا أخذتهم إلّا من ظهور دوابّهم ! فقال شخص من الأكابر يعرف بعجلان بن مطر اللواتيّ : قد فعل هذا الوزير شيئا لم يسبقه إليه أحد ، من إطلاق هؤلاء القوم ، واستحيى فيهم بما فعله . وو اللّه ليظفرنّ بهم لأنّ هذا تقليد البغي ، فإن كان فيهم بعد ذلك كائن فالدائرة عليهم . فكأنّما نطق بالغيب : فإنّهم تشمّروا عند وصول الثلاثة إلى الحاجر ونزلوا به . وأخذ الوزير يجرّ العساكر لهم حتّى كمل له ما أراد ، وسيّرها وقد تجمّعت حشود بني قرّة ، فالتقوا بكوم شريك فكانت الدائرة عليهم ، وقتل منهم خلق كثير وانهزموا . فتبعهم العسكر ظنّا أنّهم يعودون إلى اللقاء ، فلم يثنهم شيء عن قصد برقة ، وأسلموا أموالهم وكلّ ما في أيديهم للنهب ، ففاز به العسكر وغنموه ، وانقلعت شأفة بني قرّة والطلحيّين من البجيرة ، إلى اليوم ، وبقوا مشرّدين مطردين يجاورون العربان على أقبح صورة أربعين سنة . وقد كان الوزير لمّا أخرج العسكر لقتال بني قرّة ، فنّد أهل الدولة رأيه ، وحكموا أنّهم لا ينتقلون من البحيرة أبدا لقوّة بأسهم وشدّة شوكتهم ولائتلافهم بالطلحيّين . فأكذب جميل فعله ظنّهم . ثمّ إنّه رأى في كون العساكر في أعمال البحيرة

--> ( 1 ) في الاتّعاظ 2 / 219 : ليث الدولة .