المقريزي
199
المقفى الكبير
واحد مزارا لحجّ وعبادة . واللّه لو أمرني أن ألعن قوما على غير الملّة لما ارتضيت أن أكون لعّانا ! [ 452 ب ] واللّه إنّ من عقوق « 1 » جدّنا علي بن أبي طالب وصفه بالعجز » . فقام أبو الفتوح بهذا وخطب به على رؤوس العلويّة ، فقام إليه رجل منهم وقال : أيّها الأمير ، هذا مقال من يجب عليه أن لا يرجع عمّا قاله . قال : صدقت . وشرع في مباينة الحاكم ، ثمّ قدم عليه الوزير أبو القاسم الحسين بن علي ابن المغربي « 2 » برسالة مفرّج بن دغفل ابن الجرّاح الطائيّ وابنه حسّان بن مفرّج يدعوانه للإمامة ومباينة الحاكم ، ووعداه أن يقوما له بالأمر ، وأطمعه أبو القاسم في ذلك وهوّن الخطب فيه . فانقاد إليه وجمع بني الحسن وخاطبهم فيما أشار به أبو القاسم ، فوافقوه وبايعوا أبا الفتوح ولقّبوه بالراشد باللّه . فصعد منبر مكّة وخطب لنفسه . ثمّ نزل وأخذ يستعدّ للمسير . فاتّفق موت بعض أرباب اليسار بجدّة ، فأشار عليه أبو القاسم بأخذ تركته فاستولى عليها بأجمعها وكانت عظيمة . وأخذ أيضا كثيرا من المحاريب الذهب والفضّة المنصوبة على الكعبة ، وضربها دنانير ودراهم ، وعليها لقبه ، وفرّقها فيمن اجتمع إليه ، وبعث بأبي القاسم إلى بطون سليم وعوف بن عامر وغيرهم من بطون العرب يدعوهم إلى طاعته وأخذ البيعة عليهم بخلافته ، فاستجابوا لطاعته . فلمّا استوسق له الأمر ، سار من مكّة في سنة إحدى وأربعمائة في جمع موفور حتى قدم الرملة من أرض فلسطين حيث منازل بني الجرّاح . فخرج مفرّج وبنوه حسّان ومحمود وعليّ بحماتهم إلى لقائه ، وقبّلوا له الأرض وسلّموا عليه بالخلافة وخاطبوه بإمرة المؤمنين ، وأنزلوه بدار الإمارة من مدينة رملة لدّ . فأمر بالنداء [ 453 أ ] في الناس بأمان الخائفين ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر . ثمّ ركب يوم الجمعة ، ومفرّج وأولاده وسائر أمراء طيّئ مشاة في ركابه وبين يديه حتى دخل الجامع ، وصعد المنبر وخطب فحمد اللّه وأثنى عليه وقرأ بعد البسملة : طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ . . . إلى قوله . . . يَحْذَرُونَ * ( القصص : 1 - 6 ) . ثمّ أتمّ الخطبة ونزل فصلّى بالناس الجمعة ، وعاد إلى دار الإمارة . فبلغ ذلك الحاكم ، فما زال ببني الجرّاح حتّى استمالهم إليه ودفع إلى كلّ من حسّان وأخويه خمسين ألف دينار عينا ، سوى التحف والخطايا « 3 » . فتخلّوا عن أبي الفتوح وتقاعدوا عنه حتّى انحلّ أمره وعاد إلى مكّة في سنة ثلاث وأربعمائة ، وأقام الدعوة للحاكم وضرب السكّة باسمه وأقام بها حتى مات سنة ثلاثين وأربعمائة ، فقام بإمارة مكّة بعده ابنه شكر « 4 » . وكانت إمارته ستّا وأربعين سنة . ومن شعره [ المجتثّ ] : أهوى الكؤوس فمنها * إلى السرور أسير [ 357 ب ] عجبت منها شموسا * حفّت بهنّ بدور عجبت منها خدودا * لاحت عليها ثغور
--> ( 1 ) في المخطوط : حقوق . ( 2 ) تأتي ترجمة الوزير ابن المغربيّ برقم 1426 ، وفيها أنّ انتقاض الأمير الحسنيّ كان بتحريض منه . ( 3 ) الخطائيّ حسب دوزي نوع من أقشمة الحرير المستوردة من الصين ، وكاطاي من أسماء الصين قديما . ( 4 ) في عمدة الطالب 134 ، واسمه محمد ويلقّب تاج المعالي .