المقريزي
18
المقفى الكبير
وبكسوة ، وأهديت إليك بغلة لتركبها ، والسلام . ويقال إنّه كتب : باسم فاطر السماوات ، ومنزل البركات ، والإنجيل والتوراة ، الواصف نفسه في الإنجيل صاحب التحريم والتحليل . من المقوقس إلى محمّد بن عبد اللّه . أمّا بعد ، فقد ورد كتابك وقرأته وفهمته . وأنت تقول إنّ اللّه أرسلك رسولا ، وفضّلك تفضيلا ، وأنزل عليك كتابا مبينا . فكشفنا عن خبرك فوجدناك أقرب داع إلى الحقّ ، وأفضل من تكلّم بالصدق . ولولا أنّي ملكت ملكا عظيما ، كنت أوّل من آمن بك . ولكنّ النفس لا تميل إلى ترك دين نشأ فيه الصغير ، واستمرّ عليه الكبير . وأنا أعوذ باللّه من متاركتك إلى أن يدين بدينك الخ [ ل ] ق في جميع البلاد . وإنّي خاتم على كتابك وجاعله عندي . وما بيني وبينك إلّا أن يقهر جيرانك من العرب ، ويهلك الملكان كسرى وقيصر . فإذا استقام لك الأمر كنّا في جملة من دان لك ، والسلام . وإنّه بعث مع حاطب هديّة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيها فرس بسرجه ولجامه ، وبغلة شهباء بسرجها ولجامها ، وحمار أشهب ، وجارية سوداء ، وجارية بيضاء من أجمل نساء القبط اسمها مارية ، وغلام مجبوب ، وطيب وعمامة وألف دينار ، وثياب من قباطيّ مصر ، وعسل من عسل بنها . وقيل : بل أهدى إليه أربع جوار ، منهنّ جاريتان أختان وهما مارية وسيرين من حفن إحدى ضياع أنصنا « 1 » لهما شأن في القبط عظيم وجمال بارع لم يكن بمصر أحسن منهما ، وغلاما مجبوبا يقال له مابور [ . . . ] وحمارا أشهب ، وبغلة شهباء بسرجها ولجامها ، وفرسا ، وألف مثقال ذهبا ، وعشرين ثوبا من قباطيّ مصر ، مع طرف من طرفهم ، وعسلا من عسل بنها وربعة إسكندرانيّة كان صلّى اللّه عليه وسلم يعمل فيها جهازه من مكحلة ومشط وما سوى ذلك . ووهب لحاطب مائة دينار وخمسة أثواب وأحسن ضيافته . وقد قيل إن يعفورا حمار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إنّما هو من هديّة فروة بن عمرو الجذاميّ عامل قيصر على عمان . وأمر رسوله ابن جبر « 2 » أن ينظر من جلساء النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وينظر إلى ظهره هل يرى شامة كبيرة ذات شعر ، ففعل ذلك الرسول . فلمّا قدم على [ 369 أ ] رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذي القعدة من السنة المذكورة قدّم إليه الأختين والدّابّتين والعسل والثياب وغيرها ، وأعلمه أنّ ذلك كلّه هديّة . فقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الهديّة وكان لا يردّها من أحد من الناس . فلمّا نظر إلى مارية وأختها سيرين - ويقال : حنّة وقيل : قيصرا - أعجبتاه ، وكره أن يجمع بينهما ، وكانت إحداهما تشبه الأخرى ، فقال : اللّهمّ اختر لنبيّك ! - فاختار اللّه له مارية ، ووهب أختها لمحمّد بن مسلمة الأنصاريّ - وقيل : بل وهبها لدحية بن خليفة الكلبيّ . وقيل : بل أهدى المقوقس لرسول اللّه ثلاث جوار ، منهنّ مارية أمّ إبراهيم عليها السلام ، وواحدة وهبها لأبي جهم بن حذيفة العبدريّ ، وواحدة وهبها لحسّان بن ثابت . وكانت البغلة والحمار أحبّ دوابّه إليه صلّى اللّه عليه وسلم ، وسمّى البغلة الدلدل وسمّى الحمار يعفور ، وأعجبه العسل فدعا في عسل بنها بالبركة . وبقيت تلك الثياب حتى كفّن في بعضها صلّى اللّه عليه وسلم .
--> ( 1 ) حفن : من قرى الصعيد ، وكذلك أنصنا على شرقيّ النيل ( سيرة ابن هشام 1 / 7 هامش 5 و 6 ) . وفي الخطط 1 / 46 أنّ الهدايا وصلت مع حاطب سنة سبع . ( 2 ) في الخطط 1 / 47 : اسمه عبد اللّه القبطيّ مولى بني غفار .