المقريزي

160

المقفى الكبير

« رزقك اللّه ، تعود إليّ » ، فلمّا خلا أخذ الكتاب منه فقرأه وكتب على ظهره : إن البربر متفرّقون لا نظام لهم ولا رأي ، وإنّما أتينا من أمر أراد اللّه أن يكرم به من مضى منّا بدرجة الشهادة . فاطو المراحل وجدّ في السير ، فإنّ الأمر للّه وليس يسلمك ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه » . وجعل الكتاب في خبز ملّة وجعلها في زاد الرجل . ومضى ، فلم يغب عنه إلّا قليلا حتى خرجت الكاهنة [ 533 أ ] ناشرة شعرها وهي تقول : « ويلكم يا بنيّ ! ذهب ملككم ! وهلاككم فيما يأكله الناس ! » ، وكرّرت ذلك ، فافترقوا يمينا وشمالا يطلبون الرجل فستره اللّه حتّى قدم على حسّان بالكتاب . ثمّ كتب أيضا كتابا آخر وجعله في قربوس نقر له فيه وأطبق عليه . فلمّا مضى الرسول خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تضرب صدرها ، وهي تقول : « يا بنيّ ، ذهب ملككم في شيء من نبات الأرض ، وأراه بين فرجين ! » « 1 » ، وكرّرت ذلك . فمضى الرسول إلى حسّان فندب أصحابه وخرج إلى غزوها ، فخرجت ناشرة شعرها وقالت : انظروا ما ذا ترون في السماء ؟ قالوا : نرى شيئا من سحاب أحمر . قالت : لا وإلهي ، ولكنّه رهج « 2 » خيل العرب ! ثمّ جمعت ولديها وقالت : إنّي مقتولة وأرى رأسي تركض به براذين مقطوعة أذنابها إلى المشرق ، ويوضع بين يدي ملك العرب الأعظم الذي بعث هذا الرجل . وقالت لخالد : لهذا اليوم أردتك يا خالد . أمّا أنت فسوف تدرك ملكا عظيما عند الملك الأعظم ، وإنّي أوصيك بأخويك هذين خيرا . فقال لها : إنّي أخاف إن كان ما تقولين حقّا ، [ أن ] لا يستبقيا . قالت : بلى ، ويكون أحدهما عند العرب أعظم شأنا منه اليوم . قال : فإذا كان هكذا ، فارحلي بنا وخلّي له البلاد ! فقالت : أأفرّ وأنا ملكة ؟ والملوك لا تفرّ من الموت ، فأورث قومي عارا إلى آخر الدهر ! ثمّ قالت : اركبوا واستأمنوا إليه . فركب خالد ولقي حسّان وأخبره خبرها وأخذ لابنيها أمانا وقدما عليه ، فوكّل بهما من يحفظهما ، وقدّم خالدا على أعنّة الخيل . وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها ثمّ قالت : انظروا ما دهمكم ، واعملوا لأنفسكم فإنّي مقتولة . والتحم القتال وانهزمت جيوشها ، واتّبعها حسّان حتى قتلها على بئر عرفت بعد ذلك ببئر الكاهنة . وكان مع حسّان جماعة من البربر من البتر ، فولّى عليهم أكبر أولاد الكاهنة وقرّبه . وأسلم كثير من البربر . وعقد لابنها الآخر بعد ما أسلم هو وأخوه . وانصرف إلى القيروان وبنى مسجد جماعتها « 3 » ، ودوّن الدواوين ، ووضع الخراج على عجم إفريقيّة وعلى من أقام معهم على النصرانيّة من البربر ، واستقامت له الأمور . ثمّ توجّه إلى [ 533 ب ] عبد الملك بن مروان بغنائمه في جمادى الآخرة في سنة ستّ وسبعين - وقيل : سنة ثمان وسبعين . فلمّا مرّ على برقة جعل على خراجها إبراهيم ابن النصرانيّ . ثمّ مضى فمرّ بعبد العزيز بن مروان وهو بمصر . ثمّ نفذ إلى عبد الملك بن مروان فسرّ عبد الملك بما أورده عليه من فتوحه وغنائمه . ويقال : بل أخذ منه

--> ( 1 ) بين خشبتين في رياض النفوس 1 / 51 ، وفي معالم الإيمان 1 / 58 . ( 2 ) الرّهج : الغبار . ( 3 ) في المعالم 1 / 61 : وأمر بتجديده .