المقريزي
153
المقفى الكبير
فكلّم فيه أبا الخطّار فأغلظ له فردّ عليه الصميل ، فأقيم وضرب قفاه فمالت عمامته « 1 » ، وخرج فقيل له : نرى عمامتك مالت . فقال : إن كان لي قوم فسيقيمونها . ثمّ مضى فجمع له كما ذكر في ترجمته « 2 » ، وأتى شذونة فاستخلف أبو الخطّار على قرطبة ، وخرج إليهم فاقتتلوا في رجب سنة سبع وعشرين ومائة قتالا شديدا فانهزم أبو الخطّار وأسر ، بعد ما قتل أصحابه شرّ قتل ، وسجنه الصميل وثوابة بن سلامة الجذامي بقرطبة ، وملكها ثوابة . فثار عبد الرحمن بن حسّان الكلبي وأخرج أبا الخطّار من السجن « 3 » واستجاش اليمانيّة ، فاجتمع له خلق كثير وأقبل بهم إلى قرطبة وقاتل ثوابة والصميل ومعهما المضريّة واليمانيّة . فلمّا اشتدّت الحرب نادى رجل : يا معشر اليمانيّة ، ما لكم تتعرّضون للحرب على أبي الخطّار ، وقد جعلنا الأمير منكم ؟ - يعني ثوابة ، فإنّه كان من اليمن - ولو أنّ الأمير منّا لقد كنتم تعذرون في قتالكم لنا . وما نقول هذا إلّا تحرّجا من الدماء ورغبة في عافية العامّة ! فقال الناس : صدق واللّه ! والأمير منّا ، فما بالنا نقاتل قومنا ؟ وتركوا القتال وافترقوا ، وفرّ أبو الخطّار إلى باجة ورجع ثوابة إلى قرطبة ، فسمّي ذلك العسكر عسكر العافية « 4 » . فلمّا مات ثوابة في سنة تسع وعشرين [ ومائة ] ، وأقام الصميل بعده يوسف بن عبد الرحمن الفهري ، قال أبو الخطّار : إنّما أراد الصميل أن يصيّر الأمر إلى مضر - وسعى في الناس حتى ثارت الفتنة بين اليمن ومضر ، واجتمعت اليمنيّة إليه والمضريّة إلى الصميل ، وتزاحفوا واقتتلوا أيّاما كثيرة قتالا لم يكن بالأندلس أعظم منه . ثمّ أجلت الحرب عن هزيمة اليمنيّة ، فمضى أبو الخطّار منهزما واستتر في رحى [ بشقندة ] كانت للصميل ، فدلّ عليه فأخذه الصميل وقتله . وكان شجاعا ذا رأي وكرم ، وهو الذي قسم كور الأندلس على أجناد الشام لمّا كثروا عنده ، ولم تحملهم قرطبة ففرّقهم في البلاد ، فأنزل أهل دمشق إلبيرة لشبهها بها وسمّاها دمشق ، وأنزل أهل حمص إشبيلية وسمّاها حمص ، وأنزل أهل قنّسرين بجيّان وسمّاها قنّسرين ، وأنزل أهل الأردنّ بريّه وسمّاها الأردنّ ، وأنزل أهل فلسطين بشذونة وسمّاها فلسطين ، وأنزل أهل مصر بتدمير وسمّاها مصر لشبهها بها ، فجرت أسماء هذه الكور على ذلك مدّة . وكان أبو الخطّار مع فروسيّته وكرمه شاعرا محسنا ، فمن شعره قوله [ البسيط ] : إنّ ابن بكر كفاني كلّ معضلة * وحطّ عن غاربي ما كان يؤذيني إذا اتّخذت صديقا أو هممت به * فاعمد لذي حسب ترضاه أو دين ما قدّر اللّه في مالي وفي ولدي * لا بدّ يدركني ، لو كنت في الصين
--> - الغسّاني ( يمنيّة ) ، والكنانيّ ( قيسيّة ) . ( 1 ) في النفح : فأقيم من مجلسه وتقنّع ولعلّها : وقنّع أي ضرب على رأسه . ( 2 ) ترجمة الصميل مفقودة . ( 3 ) في البيان المغرب 2 / 35 ، أنّ أبا الخطّار أفلت من سجنه ، لا غير ، ولكنّه يزيد بعد حين : أخرجه عبد الرحمن بن نعيم الكلبيّ وهرب به إلى لبلة . ( 4 ) في البيان 2 / 34 تبرير آخر لهذا الاسم : هو جيش أبي - الخطّار وقد أطلق سراح المسلمين من البربر وغيرهم الذين نادى ثعلبة بن سلامة ببيعهم في سوق قرطبة بعد انتصاره على البربر الثائرين .