المقريزي

146

المقفى الكبير

فهاتان حالانا فهل أنت راجعي * فقد جبّ منّا غارب وسنام فقال عمر رضي اللّه عنه : أمّا ، ولي من الأمر شيء ، فلا ! وأقطعه مالا بالبصرة ودارا فاستوطنها . [ وقصّة نصر بن حجّاج مع شميلة ] وكما قالوا بالمدينة : أصبّ من المتمنّية ، قالوا بالبصرة : أدنف من المتمنّى . وذلك أنّ نصرا لمّا ورد البصرة أخذ الناس يسألون عنه ويقولون : « أين المتمنّى الذي سيّره عمر ؟ » فغلب عليه هذا الاسم بالبصرة كما غلب ذلك الاسم [ 339 أ ] على عاشقته بالمدينة . وذلك أنّه لمّا نزل البصرة أنزله مجاشع بن مسعود منزله من أجل قرابته ، وأخدمه امرأته شميلة ، وكانت أجمل امرأة بالبصرة فعلقته وعلقها ، وخفي على كلّ واحد منهما خبر الآخر لملازمة مجاشع ضيفه . وكان مجاشع أمّيّا ، ونصر وشميلة كاتبين . فعيل صبر نصر فكتب على الأرض بحضرة مجاشع : إنّي قد أحببتك حبّا لو كان فوقك لأظلّك أو تحتك [ لأقلّك ] . فوقّعت تحته غير محتشمة : « وأنا » ، فقال مجاشع لها : ما الذي كتب ؟ قالت : كتب : ما الذي تحلب ناقتكم ؟ فقال : وما الذي كتبت تحته ؟ فقالت : كتبت : وأنا . فقال مجاشع : كم تحلب ناقتكم ، وأنا : ما هذا لهذا بطبق ! فقالت : أصدقك ، إنّه كتب : كم تغلّ أرضكم ؟ فقال مجاشع : كم تغلّ أرضكم ، وأنا ، ما بين كلامه وجوابك قرابة ! ثمّ كبّ على الكتابة جفنة ، ودعا بغلام من الكتّاب فقرأ عليه فالتفت ، فقال : يا ابن عمّ ، ما سيّرك عمر من خير . قم ، فإنّ وراءك أوسع لك . فنهض مستحييا ، وعدل إلى منزل بعض السلميّين فوقع لجنبه فضني من حبّ شميلة ودنف حتّى صار رحمة ، وانتشر خبره ، فضرب نساء البصرة به المثل ، فقلن : أدنف من المتمنّي . ثمّ إنّ مجاشعا وقف على خبر علّة نصر ، فدخل عليه عائدا ، فلحقته رقّة لما رأى به من الدنف ، فرجع إلى بيته وقال لشميلة : عزمت عليك لما أخذت خبزة فلكتها بسمن ثم بادرت بها إلى نصر . فبدرت بها إليه ، فلم يكن به نهوض ، فضمّته إلى صدرها وجعلت تلعقه بيدها . فعادت قواه وبرئ كأن لم تكن علّة « 1 » . فقال بعض عوّاده : قاتل اللّه الأعشى ! لكأنّه شهد منهما النجوى حيث يقول [ السريع ] : لو أسندت ميتا إلى نحرها * قام ولم ينقل إلى قابر فلمّا فارقته عاوده النكس ، ولم يزل يتردّد في علّته حتى مات منها . ومرّ فتى من أهل الكوفة بالحجّاج وهو يعرض الناس ، فأعجبه فقال : ممّن أنت يا فتى ؟ قال : من قوم لم يكن فيهم جبان . قال الحجّاج : أنت إذن من يام . قال : أنا منهم - ويام هذا هو يام بن أضبى بن رافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن عوف بن همدان . وكانت يام تدعى في الجاهليّة قتلة جبانها . وكان فيهم جبان في الجاهليّة يقال له قنيب : فحلفوا ألّا يولد له ولد فيهم أبدا . وحلفوا على قتله . فقال لهم رجل منهم : ويحكم ! اخصوه ولا تقتلوه ! فإنّه لا يولد له إذا كان خصيّا ، ولا تحنثون في أيمانكم . فشاع ذلك في همدان ، فكرهت أن تذهب يام

--> ( 1 ) في المخطوط : فلتة .