المقريزي

133

المقفى الكبير

المزاح خيرا ، وكثيرا ما جرّ شرّا . الغالب بالمزاح واتر ، والمغلوب به ثائر . المزاح يجلب الشتم صغيره ، والحرب كثيره ، وليس بعد الحرب إلّا عفو بعد قدرة . فقال الحجّاج : حسبك ! الموت خير من عفو بعد قدرة . * * * ويروى أنّ الحجّاج جلس لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فقام رجل منهم فقال : أصلح اللّه الأمير ، إنّ لي عليك حقّا . قال : وما حقّك ؟ قال : لعنك عبد الرحمن يوما فرددت [ 334 ب ] عليه . فقال : من يعلم ذلك ؟ فقال : أنشد اللّه رجلا سمع ذلك إلّا شهد به ! فقام رجل من الأسرى فقال : قد كان ذلك أيّها الأمير . فقال الحجّاج : خلّوا عنه ! ثمّ قال للشاهد : فما منعك أن تنكر كما أنكر ؟ فقال : لقديم بغضي إيّاك ! قال : وليخلّ عنه لصدقه « 1 » . * * * وقال الحجّاج لرجل من الخوارج : واللّه إنّي لأبغضكم . فقال الخارجيّ : أدخل اللّه أشدّنا بغضا لصاحبه الجنّة ! * * * وكان الحجّاج يستثقل زياد بن عمرو بن الأشرف العتكيّ ، فلمّا أثنت الوفود على الحجّاج عند الوليد بن عبد الملك ، والحجّاج حاضر ، قال زياد بن عمرو : يا أمير المؤمنين ، إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو ، وسهمك الذي لا يطيش ، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم . فلم يكن أحد بعد [ ذلك ] أخفّ على قلب الحجّاج منه « 2 » . * * * وكان يقول : البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد . * * * ولمّا واقف الحجّاج عبد الرحمن بن الأشعث ، نادى منادي الحجّاج : من أتاني برأس فيروز [ بن ] حصين ، فله عشرة آلاف درهم « 3 » . فنصل فيروز من الصفّ ، فصاح بالناس : من عرفني فقد اكتفى ، ومن لم يعرفني ، فأنا فيروز حصين ، وقد عرفتم مالي ووفائي . فمن أتاني برأس الحجّاج ، فله مائة ألف . فقال الحجّاج : فو اللّه لقد تركني أكثر التلفّت ، وإنّي لبين خاصّتي . فأوتي به الحجّاج ، فقال : أنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف درهم ؟ قال : قد فعلت . فقال : واللّه لأمهّدنّك ، ثمّ أحملنّك ، أين المال ؟ فقال : عندي ، فهل إلى الحياة من سبيل ؟ قال : لا . قال : أخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال ، فلعلّ قلبك يرقّ لي .

--> ( 1 ) الرواية مغايرة في العقد 2 / 172 . ( 2 ) مرّت بنا هذه الرواية ، وهي في العقد 2 / 137 . ( 3 ) حاشية في الهامش : فيروز حصين هذا كان من مشاهير العجم فأسلم ووالى حصين بن عبد اللّه العنبريّ ، وكان شجاعا جوادا جميل الصورة جهير الصوت . وانظر خبره في الوفيات 2 / 38 ( ترجمة الحجّاج ) .