المقريزي
118
المقفى الكبير
مدينة في الجانب الغربيّ وجعل بينهما جسرا بالسّفن ، وبنى قصره بهذه المدينة الغربيّة والقبّة الخضراء التي يقال لها « خضراء واسط » والمسجد الجامع ، وعليها سور . ونزلتها الولاة بعد الحجّاج ، وما كان من الدهاقين فمنزله بالمدينة الشرقيّة . فلمّا تفرّغ من عبد الرحمن بن الأشعث ، لم يكن له همّ إلّا [ 329 ب ] يزيد بن المهلّب وأهل بيته . وقد كان أذلّ أهل العراق كلّهم إلّا آل المهلّب بن أبي صفرة ومن معهم بخراسان . وكان يبعث إليه ليأتيه فيعتلّ بالغدوّ أو بالحروب ، فلم يزل بعبد الملك بن مروان يخوّفه ويغريه حتى كتب إليه بعزله فعزله ، وولّى قتيبة بن مسلم مكانه ، وكتب إليه بعد ما تسلّم عمله : « إنّي قد نظرت في شيء ، فإذا أنا ابن ثلاث وخمسين سنة ، وأنا وأنت لدة عام واحد ، وإنّ امرءا قد سار إلى منهل خمسين سنة لقمين أن يرده ، والسلام » . ثمّ حبس يزيد بن المهلّب . فأثخن قتيبة في بلاد الترك وفتخ بخارى وعبر إلى الصغد « 1 » والطالقان وغيرها من البلاد إلى بحور الصين . وبعث الحجّاج محمد بن القاسم بن الحكم بن أبي عقيل ففتح السند . ومات عبد الملك بن مروان للنصف من شوّال سنة ستّ وثمانين ، وقد استخلف ابنه الوليد بن عبد الملك ، فأقرّ الحجّاج على عمله وقد أوصاه عبد الملك بذلك . فنزل الحجّاج من الوليد فعرف منزلته من عبد الملك . [ انتقامه من الخارجين عليه ] وفي سنة أربع وتسعين قتل الحجّاج سعيد بن جبير ، وذلك أنّه كان ممّن خرج مع عبد الرحمن ابن الأشعث . وقد كان الحجّاج [ است ] عمله على عطاء الجند الذين مع ابن الأشعث ، فلمّا كان من ابن الأشعث ما كان ، فرّ سعيد إلى أصفهان ، ثمّ جاء طلب « 2 » الحجاج فسار إلى أذربيجان ، وطال مقامه بها . ثمّ سقط إلى مكّة ومكث بها مستخفيا حتّى قدم خالد بن عبد اللّه القسريّ فحذّر الناس سعيدا منه . فقال : « واللّه لقد فررت حتّى استحييت من اللّه وسيجيئني ما كتب اللّه لي » . فأخذه خالد ، ومعه مجاهد وغيره وبعث بهم إلى الحجّاج مقيّدين . فلمّا دخل سعيد على الحجّاج قال : لعن اللّه ابن النصرانيّة - يعني خالدا - أما كنت أعرف مكانه ؟ بلى واللّه ، والبيت الذي بمكّة . ثمّ أقبل عليه فقال : يا سعيد ، ألم أشركك « 3 » في أمانتي ؟ ألم أستعملك ؟ قال : بلى . قال : فما أخرجك عليّ ؟ قال : إنّما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرّة ويصيب مرّة . فطابت نفس الحجّاج ، ثمّ عاوده في شيء فقال : إنّما كانت بيعة في عنقي لابن الأشعث . فغضب الحجّاج وانتفخ وقال : يا شقيّ ابن كسير ! أما قدمت الكوفة ، وليس يؤمّ بها إلّا عربيّ ، فجعلتك إماما ؟ قال : بلى . قال : أفما ولّيتك القضاء ، فصاح أهل الكوفة وقال [ وا ] : لا يصلح القضاء إلّا لعربيّ ، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك ؟
--> ( 1 ) وعبر ذا الصغد في المخطوط . ( 2 ) في المخطوط : ثمّ جاء وطلب . . . ( 3 ) في المخطوط : ألم أشكرك ، ولعلّ الصواب ما أثبتناه .