المقريزي

115

المقفى الكبير

ولّى عبيد [ اللّه ] بن أبي بكرة سجستان في سنة ثمان وسبعين ، فأقام سنة لم يغز . وكان رتبيل ملك الترك مصالحا له يؤدّي الخراج ، وربّما امتنع ، فكتب الحجّاج إلى عبيد اللّه بمناجزة رتبيل واستباحة بلاده وهدم قلاعه وقتل رجاله . فسار في أهل البصرة والكوفة وغنم ، وغلب على شيء من أراضي رتبيل حتى أمعن في بلاد الترك ودنا من مدينتهم ، فأخذ الترك عليهم العقاب والشعاب فاضطرّ إلى مصالحة رتبيل ، وخرج بعد ما قتل عدّة من المسلمين ، فلمّا بلغ ذلك إلى الحجّاج استأذن عبد الملك في تسيير الجنود إلى رتبيل وعرّفه ما حدث بالمسلمين فأذن له في ذلك ، ففرض على أهل الكوفة عشرين ألف فارس وعلى أهل البصرة عشرين ألفا ، وأعطى الناس أعطياتهم كاملة وأنفق فيهم ألفي ألف درهم سوى أعطياتهم ، وألزمهم أن يخرجوا بالخيول الرائعة والأسلحة الكاملة . وقدّم عليهم عبد الرحمن بن الأشعث ، وكان الحجّاج يبغضه ويقول : « ما رأيته قطّ إلّا أردت قتله » . وكان الشعبيّ حاضرا فبلّغ قوله ابن الأشعث ، فقال : واللّه لأحاولنّ أن أزيل الحجّاج عن سلطانه ، فلمّا أراد الحجّاج أن يبعثه أتاه إسماعيل بن الأشعث فقال له : لا تبعثه ! فو اللّه ما جاز جسر الصراة فرأى لوال عليه طاعة ، وإنّي أخاف خلافه . فقال له الحجّاج : هو أهيب لي من أن يخالف أمري . وسيّره على ذلك الجيش في سنة ثمانين ، فأخذ بلاد رتبيل وبثّ بها عمّاله ، وحوى هو ومن معه مالا عظيما وكتب إلى الحجّاج بما فتح اللّه عليه ، وأنّه اكتفى بما قد أصاب وعزم على الإقامة هناك عامه حتّى يجبي البلاد ويعرفها ، ثمّ يأخذ في قابل ما وراءها . فكتب إليه الحجّاج يوبّخه ويأمره بالتوغّل في أرض الترك ، وهدم حصونهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم . وإن لم يفعل فأخوه إسحاق بن محمد بن الأشعث أمير الناس . فقام عبد الرحمن في من معه وأعلمهم بما عزم عليه من الإقامة عامه وبما [ 328 ب ] بعث إليه الحجّاج ، وأنّه يخاف عليهم ما نزل بأصحاب عبيد اللّه بن أبي بكرة . فثار إليه الناس وقالوا : « بل نأبى على عدوّ اللّه ولا نسمع له ولا نطيع ! » ، وكان فيهم أبو الطفيل عامر بن واثلة من الصحابة ، فتكلّم أوّل الناس بخلع الحجّاج ومبايعة عبد الرحمن ، فنادى الناس من كلّ جانب : فعلنا ! فعلنا ! قد خلعنا عدوّ اللّه ! ووثبوا إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجّاج ونفيه من العراق والنصرة له ، ولم يذكروا عبد الملك بن مروان ، فاستخلف عبد الرحمن على البلاد وصالح رتبيل ، ورجع إلى العراق حتّى [ إذا ] بلغ فارس ، اجتمع الناس وخلعوا عبد الملك بن مروان [ وبايعوا ابن الأشعث على كتاب اللّه وسنّة نبيّه وخلع أئمّة الضلالة ] « 1 » ، وجهاد المحلّين . وبلغ ذلك الحجّاج ، فكتب إلى عبد الملك وسأله تعجيل الجنود ، وسار إلى البصرة فوافاه كتاب المهلّب بن أبي صفرة أنّ أهل العراق قد أقبلوا إليك ، وهم مثل السيل لا يردّهم شيء حتّى ينتهي إلى قراره . وقدمت جيوش عبد الملك ، فخرج الحجّاج من البصرة يريد لقاء عبد الرحمن فنزل تستر وقدّم عسكرا ، فهزمه عبد الرحمن بعد قتال شديد في يوم عرفة سنة إحدى وثمانين وقتل منهم جمعا كثيرا . فرجع الحجّاج إلى البصرة وعبد الرحمن يتبعه ، فقتل عدّة من أصحاب الحجّاج وأخذ من أثقاله ، ونزل الحجّاج الزاوية وفرّق في الناس مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم ، فنزل عبد الرحمن

--> ( 1 ) الزيادة من الطبريّ 6 / 338 .