المقريزي
105
المقفى الكبير
فقالوا : هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني الحبط . فغضب وسار إلى الحجّاج في مائة رجل ، فسرّ به وقال له : ما أبالي من تخلّف بعدك . وسعى قتيبة بن مسلم في قومه من بني أعصر ، وأقبل بهم إلى الحجّاج ، وكان قد يئس من الحياة ، فاطمأنّ لقدوم هؤلاء . ثمّ أتاه طائفة بعد أخرى ، فأصبح في ستّة آلاف وقد قوي . فاستشار ابن الجارود أصحابه ، فقال له عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان : تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان : تعشّ بالجدي قبل أن يتغدّى بك ! وقد ذهب الرأي . فقال : لا يهولنّكم ما ترون من كثرتهم . وتزاحفوا ، وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران وعلى ميسرته عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان . وعلى ميمنة الحجّاج قتيبة بن مسلم ، وقيل : عبّاد بن الحصين ، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم ، فانحلّت الحرب على قتل ابن الجارود بسهم غرب . فنادى منادي الحجّاج بأمان الناس إلّا الهذيل وعبد اللّه بن حكيم ، وأمر أن لا يتّبع المنهزمون ، وقال : الاتّباع من سوى الغلبة . وبعث إلى المهلّب برأس [ ابن ] الجارود وثمانية عشر رأسا من الوجوه ليراها الخوارج ، وحبس طائفة . وكان ممّن خرج مع ابن الجارود عبد اللّه بن مالك الأنصاري ، فقال الحجّاج : لا أرى أنسا يعين عليّ . ودخل البصرة فأخذ ماله وأمر بإحضاره ، فحين دخل عليه أنس قال : لا مرحبا ولا أهلا ! إيه يا لعنة اللّه عليك من شيخ صلّابة جوّال في الدين ، مرّة مع أبي تراب ، ومرّة مع ابن الزبير ، ومرّة مع ابن الجارود . أما واللّه لأجرّدنّك تجريد الضبّ ولأعضبنك عضب السلمة ولأقلعنّك قلع الصّمغة ! فقال أنس : من يعني الأمير ؟ قال : إيّاك أعني ، أصمّ اللّه صداك ! [ تعنيفه أنس بن مالك ] فقام عنه أنس وركب إلى عبد اللّه يشكو الحجّاج ، فكتب عبد الملك إلى الحجّاج : أمّا بعد ، يا ابن أمّ الحجّاج ، فإنّك قد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتّى عدوت طورك وجاوزت قدرك يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب ! « 1 » لأغمزنّك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب ، ولأخبطنّك خبطة تودّ لها أنّك رجعت في مخرجك من بطن أمّك ! أما تذكر حال آبائك في الطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم ، ويحفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومياههم ؟ أم نسيت حال آبائك في اللّؤم والدناءة في المروءة والخلق ؟ وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما . وأظنّك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ذلك وإغضاءه عنك ، فإن سوّغك ما كان [ 325 أ ] منك مضيت عليه قدما . واللّه لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنّم . قاتلك اللّه ! فعليك لعنة اللّه من عبد أخفش العينين أصكّ الرجلين ممسوح الجاعرتين ! ولولا أنّ أمير المؤمنين يظنّ أنّ الكتاب كثير « 2 » عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك . فأكرم أنسا وأهل بيته ، واعرف له حقّه وخدمته رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا تقصّرنّ في شيء من حوائجه ، ولا يبلغنّ أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدّم فيه
--> ( 1 ) انظر : اللسان : فرم . ( 2 ) هكذا في المخطوط ، والعبارة غامضة .