المقريزي

100

المقفى الكبير

فأيّهما تأتي فإنّك هالك * قتيل ضلال أو طريدا مغرّبا وكم قد رأينا تارك الغزو ناكلا * تحمّم حنو السرج حتّى تنكّبا « 1 » وخرج الناس على وجوههم هربا إلى السواد ، وأرسلوا إلى أهاليهم أن جهّزونا ونحن بمكاننا . وقال الحجّاج لصاحب الجسر : افتح باب الجسر ، ولا تحل بين أحد وبين الخروج ! فخرج في تلك الليلة أربعة آلاف مدجّج ، وبعث العرّاض « 2 » إلى المهلّب ، فما أتت عليه عاشرة حتى ازدحم الناس على المهلّب ، فقال : ويحكم ! من هذا الذي استعمل على العراق ؟ هذا واللّه الرجل الذكر ! قوتل واللّه العدوّ ! ثمّ بعث الحجّاج الحكم بن أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل على البصرة أميرا ، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد اللّه القسريّ ، ففرّ خالد منه إلى عبد اللّه بن مروان . واشتدّ الحجّاج على من تخلّف عن بعث المهلّب وأمر بطلبهم ، فأخذ عرفاءهم وهدم الدور وعاقب بالقتل على التخلّف عن الوجه الذي يأتي إليه . وكان أوّل من عاقب في ذلك بالقتل ، فإنّ عمر وعثمان رضي اللّه عنهما كانا إذا أخلّ الرجل بوجهه الذي بعث إليه يأمران أن تنزع عمامته ويقام للناس ويشهّر أمره . فلمّا ولي مصعب بن الزبير زاد فيه ، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمّر في يديه مسماران في حائط ، فربّما مات وربّما خرق المسماران يديه وسلم . فلمّا كان الحجّاج قال : كلّ هذا لعب ، أضرب عنق من يخلّ بمكانه من الثغر . فهرب منه أبرح بن خنزير [ 323 أ ] التميميّ ، وكان قد تخلّف من بعث المهلّب ، فأخذ عريفه وهدمت داره ، فأنشأ يقول شعرا كثيرا ، منه [ الطويل ] : فإن تنصفونا يآل مروان نقترب * إليكم وإلّا فأذنوا بابتعاد « 3 » فإنّ لنا عنكم مراحا ومزحلا * بعيس إلى ربح الفلاة صوادي ببختية بزل تمايل في البرى * تبارى على طول الكلال عوادي وفي الأرض عن ذي الجور منأى ومذهب * وكلّ بلاد أوطئت كبلاد 5 وما ذا عسى الحجّاج يبلغ جهده * إذا نحن جاوزنا حفير زياد « 4 » ففي الأرض عن دار المذلّة مذهب * وكلّ بلاد أوطئت كبلاد وجزنا بيوت المصر نحو تهامة * مجاهل أطماس المدلّ عوادي ولولا بنو مروان كان ابن يوسف * كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو العبد المقرّ بذلّة * يراوح ولدان القرى ويغادي يعني : أنّه كان معلّما . [ استبطاؤه المهلّب في حرب الخوارج ] وكتب إلى المهلّب « 5 » : أمّا بعد ، فإن بشرا رحمه اللّه استكره نفسه عليك وأراك غناه عنك . وأنا أريك حاجتي إليك . فأرني الجدّ في قتال

--> ( 1 ) المرصفيّ 4 / 79 : فكائن ترى من مكره الغزو مسمرا . . . ( 2 ) الطبري وابن الأثير : العرفاء . ( 3 ) حاشية في الهامش : وقيل إنّ هذا الشعر لمالك بن الريب بن حرمل أحد اللصوص الشعراء الفتّاك . مات بخراسان في صحبة سعيد بن عثمان والقصيدة ضمن الشعر المنسوب إلى مالك . انظر نوري القيسي شعراء أمويّون القسم الأوّل ص 51 بغداد 1976 . وفي العقد 5 / 13 : لمالك بن الريب . ( 4 ) حاشية في الهامش : على خمس ليال من البصرة . وحاشية أخرى : فما ذا ترى الحجّاج يبلغ كيده ؟ . ( 5 ) الكامل للمبرّد 1 / 267 .