المقريزي
199
المقفى الكبير
وكانت العادة أن يحضر الولاة كلّ سنة للسلطان تقدمة . فخرق أيدمر العادة و [ أ ] حضر تقدمة عظيمة في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة فيها ستّون حجرة « 1 » من عتاق الخيل ، وعشرون حصانا ، ومائة هجين كلّهم بعبى سخبريّة « 2 » ومقاود بعضها فضّة وأكوار وسلاح كثير من أسلحة العرب . فأعجب بها السلطان وشكره . فسأل النائب بيدرا أن ينعم عليه بالمثول بين يدي السلطان ليقبّل الأرض فقال : لا ، بل يذهب إلى الوزير ، فإنّه شكا منه أنّه أخذ لي شيئا كثيرا من مالي . فقال : ونفرض أنّه أخذ ؟ فقد أحضر قدر ما أخذ في هذه التقدمة . وأبى إلّا أن يذهب إلى الوزير . فعزّ ذلك على أيدمر وقال : ليفعل السلطان بي كلّ ما يختار ! ولا أدخل إلى الوزير ، فإنّه كبير النفس وأنا أكبر نفسا منه [ 234 ب ] ، فيحصل الضرر . فلاطفه بيدرا ، وبعث قبله أحد الحجّاب إلى الوزير بالوصيّة عليه فإنّه رجل شيخ له قدر معتبر . ثم بعثه . فلمّا دخل على الوزير لم يعبأ به ، وتشاغل عنه ساعة . ثم نظر له وقال : أنت الذي يقال لك القشّاش ؟ فاشتدّ حنقه ، ونظر إلى الوزير شزرا ، وخرج وهو يسبّه بالتركيّ ، والحاجب يصيح به فلا يلتفت إليه ، والنقباء في طلبه . فسبقهم إلى دار النيابة وقال لبيدرا : ألف ضربة بالسيف ، ولا وقوفي قدّام عامّي يهينني ! - وحلّ سيفه وألقاه . فسكّن بيدرا الشرّ وأظهر أنّه قد غضب عليه ، وأخذ سيفه ووكّل به ، وأعلم الوزير بما فعل به . فلمّا دخل إلى السلطان شكا من أيدمر وقوّة نفسه . فقال له السلطان : ما نجد من يقوم مقامه ، فإنّه مسلّط على المفسدين فلاطف الأمر معه . فخرج وطلبه من دار النيابة ورسم عليه ليعمل حساب البلاد . فقال : قل للصاحب : أنا ما ولّاني الملك المنصور [ 253 ب ] جابيا حتى أعمل الحساب ، وإنّما أقامني لأشنق وأوسّط وأسمّر وأحطّ ابن آدم على الخازوق ، وما أعرف غير سفك الدماء . فإن كان للوزير حساب [ فل ] يطلبه من دواوينه ! وإن كنت قتلت له أحدا من أقاربه [ فل ] يطلبني بدمه ! - ونهر في شادّ الدواوين وفي المقدّمين . فعادوا إلى الوزير بما قال ، فاقشعرّ جلده من شناعة هذا القول . فأقام في الترسيم ثلاثة أيّام [ ثم ] استدعاه السلطان وخلع عليه وقال له : قد سمعت أنّك قتلت خلقا كثيرا ، فكم تبلغ عدّتهم ؟ فقال : زيادة على اثني عشر ألف رجل ، وما أعتقد أنّ اللّه أجرى حكمي على غير مفسد . قال : وسمعت أنّك سمّرت ثلاث نساء ، منهنّ اثنتان بكران . لم ذلك ؟ قال : شكا إليّ تاجر من أهل المحلّة عجوزا وجد معها شيئا من ثياب أخيه ، وكان قد غاب مدّة وانقطع خبره . فأنكرت ما قال ، ففتّشتها ، فإذا معها مصاغ فيه خواتم رجاليّة . فادّعت أنّه من حلي بناتها ، فعاقبتها ثلاثة أيّام فلم تقرّ ولا عرّفتني باسم بلدها ، حتى ذكر لي بعض الرقّاصين أنّها من ناحية بطشة « 3 » بالقرب من المحلّة . فركبت وهجمت بيتها فوجدت فيها كثيرا من ملابس الرجال والنساء ، ووجدت لها ابنتين فعاقبت الثلاث « 4 » عقوبة الموت ، فلم يعترف أحد منهنّ بشيء ،
--> ( 1 ) الحجرة : أنثى الخيل . ( 2 ) كلمتان عسيرتا القراءة ولا نعرف الهجن السخبريّة . ( 3 ) لم نجد بطشة هذه . ( 4 ) في المخطوط : الثلاثة .