المقريزي

189

المقفى الكبير

وبلغ متحصّله من الغلال ما ينيف على مائتي ألف إردبّ ، سوى التقاوى « 1 » . وكان له في الغلاء أفعال فاضلة ، من إطعام الفقراء والأيتام وأرباب البيوت الخبز والطعام . وأوصى أن يخرج طلبه على عادته ، وخيوله ملبسة وسناجقه منشورة ، وعلى مماليكه آلات الحرب مثل هيئة أيّام توجّهه إلى الغزاة في سبيل اللّه ، ففعلوا ذلك من غير دقّ الطبول . وشهد نائب السلطان الأمير حسام الدين لاجين جنازته وجميع الأمراء والقضاة والمشايخ والفقراء ، وطلبه معهم على الحالة التي يخرج فيها إلى الغزو . فكثر خشوع الناس واتّعاظهم به . وغلّقت مدينة مصر يومئذ . وكانت فيه خبرة وشجاعة ومعرفة بالأمور ، منها أنّ المنصور قلاوون لمّا أفرج عنه عندما تسلطن وولّاه نيابة السلطنة باشرها قليلا بعد استعفائه فلم يعفه ، ثم تمارض وانقطع عن الخدمة في بيته فسأله ابنه أسد الدين [ . . . ] عن فعله فقال : لي فيه أرب . فلمّا عزم السلطان [ 244 ب ] على عيادته صنع له الطبيب شيئا تهيّج به وجهه واصفرّ لونه . ودخل عليه السلطان فتوجّع له وقال له : تخبرني بحوائجك وما في نفسك حتى أقضيه لك - ظنّا منه أنه مريض وربّما مات من مرضه - ثم قال : قد مرضت في وقت حاجتي لرأيك في أمر مماليكي ومن أعطيه منهم الإمرة . فقال : يا خوند ، مماليكك نافعة ، وقد ربّيتهم وكلّ منهم يستحقّ الإمرة فلا تؤخّر أمرهم . وأمّا حاجتي التي في نفسي ، فإنّي قد كبرت واعتراني هذا المرض ، وضعف بصري من الحبس ، ولا أصلح للحكم بين الناس ولا يحلّ لي ، وأريد أنّ السلطان يعفيني من النيابة . فانزعج السلطان من كلامه وامتنع من إعفائه . فألحّ في تقبيل الأرض وطلب الإعفاء . فقال له : إن كان ولا بدّ ، فأشر عليّ بمن يصلح . فقال : إن قبل السلطان منّي ، فلا يول إلّا مملوكه طرنطاي . فوافق ذلك غرض السلطان وقام عنه . فدبّر نفسه حتى زال عنه ما به . وقال لولده بعد ذلك : أنت صبيّ ، هذا قد تسلطن وله مماليك يريد أن ينشئهم ويكبّرهم ، فإنّه يثق بهم ويعجبه تقديمهم ، ويفرح بهم . وأنا فما يمكنه عزلي عن النيابة بغير ذنب ، فيحتاج أن يعمل لي ذنبا ، ويقبض عليّ ويولي النيابة لمملوكه ، ويبقى خلاصي ممتنعا وقد شبعت حبسا ، فعملت ما عملت ، وأنت شابّ لا يصل فكرك إلى هذا . وما زال منقطعا حتى ولي طرنطاي النيابة ، وأنعم السلطان على مماليكه بالإمرتات « 2 » . ثم ركب إلى القلعة فعمله السلطان أمير جاندار . 864 - أيبك الأشقر [ - 707 ] « 3 » [ 245 أ ] أيبك الأشقر ، الأمير عزّ الدين الشجاعيّ ، شادّ الدواوين . كان من مماليك الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ . وترقّى بعده ووليّ شدّ الدواوين عوضا عن [ . . . ] . وتوفّي هو وابنه وامرأته وتتمّة أحد عشر شخصا

--> ( 1 ) التقاوى ج تقوية ، وهي الحبوب المدّخرة للبذر . ( 2 ) الإمرتات : هكذا في المخطوط ولعلّه جمع إمرة في صيغة عامّيّة . ( 3 ) الدرر 1 / 450 ( 1103 ) .