المقريزي

152

المقفى الكبير

الدين [ الكبير ] رسم له على لسان النائب أن يتحدّث في مال السلطان كيف يجبى فإنّه ما بقي له أحد يعانده [ 217 أ ] وأنا أسلّم له المملكة يتصرّف فيها كلّها : الخاصّ والمتجر وغيره ، ويدبّر الخاصّ والدولة . فجعل يتمنّع من ذلك تمنّعا كبيرا ، فرسم بحبسه مع خاله ، فسجن عنده ، ثم أفرج عنه معه . وقبض عليه في يوم السبت سلخ ربيع الآخر وعلى ولده سعد الدين فرج اللّه ، وسلّما للصاحب أمين الدولة عبد اللّه بن الغنّام ، فأحضره بين يديه وأخرق به وأهانه وهدّده بضربه بالمقارع على تخليص المال ، وأخرجه حافيا . فنزل ولده مهانا ليجمع المال ، وسجن أكرم ببرج في القلعة عند باب القرافة . وكان من الاتّفاق العجيب أنّ أكرم هذا كان قد وشى بالأمير طيبغا العجميّ حتى أخذه السلطان من طريق مكّة وأحضره منكّلا به وسجنه بهذا البرج وأخذ ماله . فكتب عندما أفرج عنه بحائطه : حضرت من مكّة يوم كذا ، وحبست في هذا البرج ستّة عشر يوما ، وكنت مظلوما ، ففرّج اللّه عنّي . وأرجو أن يأخذ اللّه حقّي ممّن ظلمني - يعني أكرم هذا ، فاستجيب له ، وكان أكرم يرى خطّه وهو في البرج ويتأمّله . وكان الوزير ابن الغنّام إذا استدعاه للمطالبة يصيح به العامّة : باللّه ذوّقه المقترح كما يفعل بالناس ! - وكان قد استجدّ أن يضرب من يعاقبه على صدره بالعصيّ وسمّى هذا الضرب « المقترح » ، فتكاد العامّة عندما يحضر أن تختطفه من شدّة بغضها له . فبذل جهده في السعي حتى أعفي من طلبه ، واستمرّ ولده يحمل مدّة ستّة عشر يوما - قدر ما أقام العجميّ - ثم أفرج عنه . فكان جميع ما حمل له مبلغ مائة وستّين ألف درهم ، باع فيها ثياب بدنه ، وأثاث بيته وأوانيه ، وداره بمنشأة المهرانيّ . ثم أخرج على [ 219 ب ] البريد إلى صفد في ليلة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة ، فأقام بها إلى أن قدم عليه البريد باستقراره في نظر الشام عوضا عن شمس الدين غبريال « 1 » ، فسار إليها على البريد في يوم السادس عشر من شوّال ، وقدم دمشق في ثالث عشرينه . فباشر الوزارة وضبط أمر دمشق ضبطا زائدا وسار سيرة حسنة فأعجب به النائب وغيره ، إلى أن بلغ الفخر ناظر الجيش أنّ ولده أبا الفرج يكاتبه بمتجدّدات أمور مصر وأخبار أهل الدولة ، ويكنّي عن أسماء الأعيان بألقاب يضعها عليهم . فخيّلوا للسلطان منه حتى رسم بإحضاره ، فقدم على البريد من دمشق في يوم الاثنين سادس شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين ومثل بحضرة السلطان وهو بناحية سفط من الجيزة ، فلم يكترث به وبالغ في الإنكار عليه وأمره بملازمة داره . وبعث غبريال عوضا عنه إلى دمشق . وأسرّ السلطان إلى الوزير مغلطاي الجماليّ بقتله سرّا ، فتقدّم إلى والي القاهرة بذلك : فكمن له جماعة يترصّدونه إلى أن خرج من داره راكبا في ليلة الاثنين رابع شهر ربيع الآخر يريد الحمّام ، فوثب به الجماعة ، وكان مستعدّا فنجا بفرسه . وبطشوا بغلامه فقتلوه . وطار الخبر وانتشر في الناس حتى بلغ للسلطان ، فرسم بنفيه إلى أسوان . فأحضر [ ه ] الوزير هو وأولاده في يوم السبت تاسعه إلى مجلس السلطان وطالبه بالمال ، فأنكر أن يكون عنده مال ، فضرب ابنه سعد الدين بالمقارع ، وسلّم أكرم إلى الوالي فوجد معه

--> ( 1 ) هو القاضي ابن صنيعة القبطيّ .