المقريزي
138
المقفى الكبير
في القرافة الكبرى فقال له : يا آقوش ، إذا صرت نائب الشام ، إيش تعطيني ؟ ( قال ) فقلت له : يا سيّدي ، ما أنا قدر هذا . فقال : لا بدّ لك من هذا ! إيش تعطيني ؟ فقلت : يا سيّدي ، الذي تقول . فقال : تتصدّق بألفي درهم عند السيّدة نفيسة وبألف درهم عند الشافعيّ . فقلت : يا سيّدي ، باسم اللّه ! فضحك وقال : ما أظنّك إلّا تنساها ، وما تعود تذكرها إلّا إذا جئت هاربا إلى مصر . ( قال ) فو اللّه لقد جعلت كلام المغربيّ ممثّلا بين عينيّ حتى وليت النيابة فأنسانيه اللّه ، ثم ما ذكرته حتى دخلت في نوبة غازان مصر هاربا . فبينا أنا في القرافة إذ مررت بمكان الفقير فذكرت قوله . فأحضرت على الفور الدراهم وتصدّقت بها . ودخل عليه مرّة القاضي محيي الدين يحيى بن فضل اللّه كاتب السرّ بدمشق وهو يلي نيابتها في أيّام تحكّم الأميرين بيبرس وسلّار فالتفت إليه وقال له ، وهو يشتكي من افتياتهما « 1 » : واللّه هذا بيبرس لمّا كنّا في البرج كان يخدمني ويحكّ رجلي في الحمّام ويصبّ الماء عليّ ، وإذا رآني واللّه ما يقعد إلّا إذا قلت له : اقعد ، وأما سلّار فما هو منّا ولا له قدر . إيش أعمل في دمشق ؟ واللّه لولا هذا القصر الأبلق والميدان [ 212 أ ] الأخضر وهذا النهر المليح ما خلّيتهم يفرحون بملك مصر ! ولمّا توجّه الملك الناصر إلى الكرك قال : واللّه عملوا نحسا . كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح . ولمّا ظفر بأهل جبل كسروان مدح بعدّة مدائح جمعها شمس الدين أحمد بن يعقوب الطيبيّ وسمّاها « واقعة كسروان » . وبلغ من التّمكّن في نيابة دمشق مدّة سلطنة المظفّر بيبرس مبلغا عظيما بحيث كان يكتب تواقيع بوظائف كثيرة ويبعثها إلى مصر ليعلّم عليها السلطان فتمضى كلّها . وكتب في دمشق عن السلطان : « بالإشارة العالية الأميريّة الكافليّة كافل الشام أعزّها اللّه تعالى » . وشكا إليه أحد قصّاد الخدمة من المشير تاج الدين إبراهيم ابن سعيد الدولة ، فكتب إليه [ و ] هكذا ابتدأ : وا لك يا ابن سعيد الدولة ! ما أنت إلّا ابن تعيس الدولة ! وصلت أنّك تقطع جوامك القصّاد الذين هم عين الإسلام ؟ واللّه إن عدت تعرّضت إلى أحد من الشام بعثت من يقطع رأسك ويجيء به في مخلاة ! - وبعث [ 212 أ ] بذلك على البريد مع مملوكه وأمره أن يدفعه إليه في وسط المحفل ويقول له شفاها ما في الكتاب . ففعل ذلك ، فلم يطقه ابن سعيد الدولة وقام إلى السلطان الملك المظفّر بيبرس وأراه الكتاب ظنّا أنّه ينتصر له . فلمّا قرأه أطرق زمانا وقال له : أرض الأفرم ! وإلّا أنا واللّه بالبراءة منك . واللّه إن عمل معك شيئا ما نقدر ننفعك ! - فسقط في يده ، ورجع إلى مداراته . وكان قد اشتدّ خوفه من الملك الناصر بحيث [ إنّه ] لمّا كان في نيابة طرابلس يخرج في كلّ ليلة بعد العشاء ، ومعه من يثق به من دار السلطنة إلى موضع حتى ينام فيه بالنوبة ، وخيلهم معهم ، وربّما هوّموا على ظهور الخيل ، إلى أن ورد عليه الخبر بأنّ السلطان رسم له بنيابة حلب وطلبه إلى مصر ليلبس التشريف ويأخذ التقليد ، فطار خوفا . وكان في المرج ، فأتاه في الحال مملوك صهره أيدمر الزردكاش يعرّفه أنّه مأخوذ ويحرّضه على الفرار . فسار من وقته إلى قراسنقر . وكان قبل خروجه إلى المرج قد أتاه مملوك قراسنقر وهو
--> ( 1 ) في المخطوط مرّة أخرى : وقال .