ابن ملقن

255

طبقات الأولياء

ونظر يوما إلى صوفي من تلامذته ، مد يده إلى قشر بطيخ ، وكان قد طوى ثلاثة أيام ، فقال : تفعل ذلك ؟ ! أنت لا يصلح لك التصوف ، فالزم السوق ! « 5 » . قال يوسف بن الحسين : صحبت أبا تراب خمس سنين ، وحججت معه على غير طريق الجادة . ورأيت منه في السفر عجائب ، يقصر لساني عن وصف جميع ما شاهدته ، غير أننا كنا مارين ، فنظر إلى يوما وأنا جائع ، وقد تورمت قدماي ، وأنا أمشى بجهد ، فقال لي : ما لك ؟ لعلك جعت ؟ قلت : نعم . قال : ولعلك أسأت الظن ؟ قلت : بلى ! قال : ارجع إليه ! قلت : وأين هو ؟ . قال : حيث خلفته ! قلت : هو معي ! قال : فإن كنت صادقا فما هذا الهم الذي أراه عليك ؟ ! قال : فرأيت الورم قد سكن ، والجوع قد ذهب ، ونشطت حتى كدت أتقدمه . فقال أبو تراب : اللهم إن عبدك قد أقر لك ، فأطعمه ! ونحن بين جبال ليس فيها مخلوق ، ثم انتهينا إلى رابية ، وإذا كوز ورغيف موضوع ، فقال لي أبو تراب : دونك ! دونك ! . فجلست فأكلت ، وقلت : أليس تأكل منه ، أنت ؟ فقال : لا بل من اشتهاه ! . وروى أنه قال : وقفت بعرفات خمسا وعشرين وقفة « 6 » . فلما كان من قابل رأيت الناس بعرفات ، ما رأيت أكثر منهم عددا ، ولا أكثر خشوعا وتضرعا ودعاء ، فأعجبني ذلك ، فقلت : اللهم من لم تقبل حجته من هذا الخلق فاجعل ثواب حجتي له ! وأفضنا من عرفات وبتنا بجمع ، فرأيت في المنام هاتفا يهتف بي : تتسخى على ، وأنا أسخى الأسخياء ؟ ! وعزتي وجلالي ! ما وقف أحد هذا الموقف إلا غفرت له . فانتبهت فرحا بهذه الرؤيا ، فرأيت يحيى بن معاذ الرازي ، فقصصت عليه الرؤيا ، فقال : إن صدقت رؤياك فإنك تعيش أربعين يوما . فلما كان يوم إحدى وأربعين جاءوا إلى يحيى وقالوا : إن أبا تراب مات ، فغسله ودفنه « 7 » .

--> ( 5 ) ذكره أبو نعيم في الحلية ( 10 / 50 ) . ( 6 ) في تاريخ بغداد : « خمسة وخمسا وقفة » . ( 7 ) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ( 12 / 313 ) .