ابن ملقن
25
طبقات الأولياء
تَدْرُسُونَ [ آل عمران : 79 ] أي : لا نفسانيين . والنصارى كانوا نفسانيين لا ربانيين ، فحرفوا الكلم عن مواضعه ، ولهذا لما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، وسلكوا بنفوسهم ، وهم جاهلون ضالون مضلون . * * * وننتهى إلى أن التصوف شعور إنساني عام عند جميع الناس ، وأن له أرضا خصبة في ثقافات الشرق والغرب ، وأن الجاهلية العربية ليست فقيرة في بابه ، وأن التأثير والتلاقح بين الأمم في مضماره ، لا يكون في الجوهر ، وإنما هو في الطرائق والخواطر ، وأن كل ما يبدو في التصوف الإسلامي من آثار يمكن أن يقال أنها وافدة عليه إنما هي في الحقيقة إفاضات إلهية على هذه الأمة من دون الأمم ، حيث كانت الأمة الوحيدة الشاهدة على ثقافات العالم كله بحكم اللّه لها في الكتاب والسنة . * * * ولكن هل هذه التجربة الصوفية الإسلامية الحقة التي غرس جذورها وشيدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . هل استمرت قائمة بعده ؟ أم أصابها شيء من الاعوجاج ؟ هذا ما سنوضحه في الفقرة التالية : تجربة قديمة : في أواخر القرن الثاني الهجري كانت التجربة الإسلامية التي حققها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واقعا عمليا ناجحا تتعرض لخطر جسيم هو : الفصل بين الجانب النظري وبين التطبيق في المبادئ والأصول التي قام عليها المجتمع الناجح الذي أسسه الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وذلك أن المجتمع الإسلامي كله كان يدين بالولاء للّه وحده ، وما كانت فلسفة الحكم إلا لتحقق إرادة اللّه تعالى على الأرض ، ثم بدأ هذا الولاء يتحول إلى ولاء للحاكم وأعوانه ، بينما الواجهة الرسمية للأمة ما زالت تعترف اعترافا شكليا بالولاء للّه ورسوله .