ابن ملقن

239

طبقات الأولياء

أنس باللّه استوحش من غيره . وأنشد : سلم على الخلق ، وارحل نحو مولاكا * واهجر على الصدق والإخلاص دنياكا عساك في الحشر تعطى ما تؤمّله * ويكرم اللّه ذو الآلاء مثواكا « 9 » ! وقال : العارف يخرج من الدنيا ولا يقضى وطره في شيئين : بكاؤه على نفسه ، وثناؤه على ربه . وقال : في قوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى : إلهي هذا رفقك بمن يقول : أنا إله ، فكيف بمن يقول : أنت إلهه ؟ ! . وكان يقول ، في جملة دعائه : إلهي ! ، حبك أعطش كبدي ! وأوحشنى من أهلي وولدى ! . وروى : أنه قدم شيراز ، فجعل يتكلم في علم الأسرار ، فأتته امرأة من نسائها ، فقالت : كم تريد أن تأخذ من هذه البلدة . قال : ثلاثين ألفا ، أصرفها في دين علىّ بخراسان . فقالت : لك ذلك على أنك تأخذها وتخرج من ساعتك ! . فرضى به ، وحملت إليه ، وخرج من الغد ، فعوتبت تلك المرأة فيما فعلت ، فقالت : لأنه كان يظهر أسرار أوليائه للسوقة والعامة ، ففوت عليه ذلك . وقال له رجل : إنك لتحب الدنيا ، فقال : أين السائل عن الآخرة ؟ قال : ها أنا ! . قال : أخبرني أيها السائل عنها ، أبالطاعة تنال أم بالمعصية ؟ . قال : لا ، بل بالطاعة . قال : فأخبرني عن الطاعة ، أبالحياة تنال ، أم بالممات ؟ قال : لا ، بل بالحياة . قال : فأخبرني عن الحياة ، أبالقوت تنال ، أم بغيره ؟ قال : لا ، بل بالقوت . قال : فأخبرني عن القوت ، أمن الدنيا هو ، أم من الآخرة ؟ قال : لا ، بل من الدنيا . قال : فكيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت ، أكتسب به حياة ، أدرك بها الطاعة ، أنال بها الآخرة ؟ ! فقال الرجل : أشهد أن ذلك معنى

--> ( 9 ) انظر الأبيات في : الحلية ( 10 / 67 ) .