ابن ملقن
189
طبقات الأولياء
أضر به الخوف حتى قارب الإياس فالرجاء له أفضل . وأنشد في المعنى : أسأت فلم أحسن وجئتك هاربا * وأين لعبد من مواليه مهرب يؤمل غفرانا فإن خاب سعيه * فما أحد منه على الأرض أخيب « 4 » وقال : صحبت أبا حفص وأنا شاب فطردنى مرة وقال : لا تجلس عندي ! . فقمت ولم أوله ظهري ، ووجهي إلى وجهه ، حتى غبت عنه ، وجعلت في نفسي أن أحفر على بابه حفرة ، لا أخرج منها إلا بأمره . فلما رأى منى ذلك أدنانى ، وجعلني من خواص أصحابه « 5 » . وروى : أن رجلا دعا أبا عثمان إلى ضيافته ؛ فلما وافى باب داره قال : يا أستاذ ! ، ليس لي وجه لدخولك ، وقد ندمت ! فانصرف أبو عثمان . فلما أتى منزله عاد إليه الرجل وقال : احضر الساعة ! . فقام أبو عثمان ، ومشى معه ؛ فلما وافى باب داره ، قال له مثل ما قال في المرة الأولى ؛ ثم فعل به كذلك ثالثا ورابعا ، وأبو عثمان يحضر وينصرف . فلما كان بعد ذلك اعتذر إليه ، وقال : يا أستاذ ! . أنا أردت اختبارك . وأخذ يمدحه ، ويثنى عليه ، ويدعو له ؛ فقال له أبو عثمان : لا تمدحنى على خلق تجد مثله مع الكلاب . الكلب إذا دعى حضر ، وإذا زجر انزجر . وقال الفرغاني : كنت يوما أمشى خلف دابة أبى عثمان ، وكان يوما وحلا ، فوقع في خاطري ، وقلت : هذا الرجل على هذه الدابة لا يعلم أنا نجد البرد ، ويشق علينا المشي في هذه الأوحال ؟ ! . قال : فنزل أبو عثمان في الوقت عن دابته ، وقال لي : اركب ! فركبت ، وجعل أبو عثمان يمشى خلف الدابة ، وأنا راكب ، وفي قلبي ما فيه . فلما بلغت باب الدار ونزلت ، قال لي :
--> ( 4 ) انظر : البيتان في : ( المنتظم 13 / 121 ) . ( 5 ) ذكره ابن العماد في الشذرات ( 3 / 419 ) .