ابن ملقن

16

طبقات الأولياء

فمن المعلوم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وافاه الوحي بعد فترة من الخلوة التأملية انقطع فيها عن ظواهر الوجود ، سعيا وراء حقائقه ، فترك العمران في مكة ، وتحول إلى الجبل ، بعيدا عن صنعة الإنسان ، ثم تحول إلى الظلام المطبق في جوف الغار ، وتردد بينهما حسبما تطيق نفسه وتحتمل من الاستمرار والفاعلية والانفعالية . ويقول الإمام الغزالي عن أثر هذه العزلة في حياة الصوفية ، لا سيما عزلة النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ، وهو يسرد فوائد العزلة : « الفائدة الأولى : التفرغ للعبادة والفكر ، والاستئناس بمناجاة اللّه تعالى ، عن مناجاة الخلق ، والاشتغال باستكشاف أسرار اللّه تعالى من أمر الدنيا والآخرة ، وملكوت السماوات والأرض ، فإن ذلك يستدعى فراغا ، ولا فراغ مع المخالطة ، فالعزلة وسيلة إليه . . . فالعزلة أولى بهم ، ولذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء ، وينعزل إليه ، حتى قوى فيه نور النبوة ، فكان الخلق لا يحجبونه من اللّه ، فكان ببدنه مع الخلق ، وبقلبه مقبلا على اللّه تعالى » . وقد فطن القدماء إلى أن هذه العزلة لا تكون عن تقليد ، وإنما هي شعور إنساني ينبعث من داخل النفس . ويرى يحيى بن معاذ الرازي : أن من الناس من ينبعث من باطنه داعية الخلوة ، وتنجذب النفس إلى ذلك ، وهذا أتم وأكمل وأدل على كمال الاستعداد ، وقد روى من حال النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك . وفي رواية عائشة ما يدل على أن العزلة ومقدماتها ظاهرة إنسانية لا دخل للتقليد ولا للاقتباس فيها . قالت عائشة : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، فكان يأتي حراء ، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة ، فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء » .