ابن ملقن
134
طبقات الأولياء
ومكث سرى عشرين سنة ، يطوف بالساحل ، يطلب صادقا ، فدخل يوما إلى مغارة ، فإذا بزمنى قعود وعميان ومجذّمين ، قال : فقلت : ما تصنعون هاهنا ؟ ! قالوا : ننتظر شخصا يخرج علينا ، فنعافى ! . فقلت : إن كان صادقا فاليوم ! . فقعدت فخرج كهل وعليه مدرعة من شعر ، فسلم وجلس ، ثم أمر يده على عمى هذا فأبصر ، وأمر يده على زمانة هذا فصح ، وأمر يده على جذام هذا فبرئ . ثم قام موليا ، فضربت بيدي إليه ، فقال لي : سرى ؟ ! . خل عنى ، فإنه غيور . لا يطلع على سرك فيراك وقد سكنت إلى غيره ، فتسقط من عينه . وقال الجنيد : ما رأيت أعبد من خالى ! . أتى عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤى مضطجعا إلا في علة الموت « 76 » . قال : وسمعته يقول : أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد ! فقيل له : ولم ذلك ؟ ! . قال : أخاف ألا يقبلني قبرى فأفتضح « 77 » . قال : وسمعته يقول : من أراد أن يسلم دينه ، ويستريح قلبه وبدنه ، ويقل غمه ، فليعتزل الناس ؛ لأن هذا زمان عزلة ووحدة . قال : وكان يقول : لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ، ولم أخرج . قلت : كيف في زمننا هذا - في القرن الثامن - وما أهله إلا كما قيل : لم يبق في الناس موثوق بصحبته * ولا أمر لك مرضى إذا اختبرا ولا أخ لك تدعوه لنائبة * ولا لسر إذا استودعته سترا ما إن ترى غير ذي الوجهين قد طويت * منه الضلوع على غير الذي ظهرا
--> ( 76 ) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ( 9 / 190 ) باختلاف وهو : « أتى عليه ثمان وتسعون سنة » . ( 77 ) ذكره أبو نعيم في الحلية ( 10 / 119 ) .