ابن ملقن
114
طبقات الأولياء
أعرف الفقراء أيها الشيخ ؟ ! فقال له الجنيد : وأنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا ؟ ! ، فقال : إني لم أقل لك : أنفقه في الخل والبقل ، والكامخ والجبن والمالح ! ، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوات ، فكل ما كان أسرع فهو أحب إلىّ . فتبسم الجنيد وقال : مثلك لا يجوز أن يرد عليه ! وقبل ذلك منه . فقال الخراساني : ما أعلم أحدا ببغداد أعظم منّة علىّ منك ! . فقال الجنيد : ولا ينبغي لأحد أن يرتفق إلا ممن كان مثلك . وقال الجنيد : رأيت إبليس في المنام كأنه عريان ، فقلت له : أما تستحى من الناس ؟ ! فقال : يا اللّه ! هؤلاء عندك من الناس ؟ ! . لو كانوا منهم ما تلاعبت بهم كما تتلاعب الصبيان بالكرة ، ولكن الناس غير هؤلاء . فقلت : ومن هم ؟ . قال : قوم في مسجد الشونيزى ، قد أضنوا قلبي ، وأنحلوا جسمي ؛ كلما هممت أشاروا باللّه ، فأكاد أحرق . فانتبهت ولبست ثيابي ، وأتيت مسجد الشونيزى وعلىّ ليل ، فلما دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة أنفس - قيل : هم : أبو حمزة ، وأبو الحسين النوري ، وأبو بكر الزقاق « 10 » - جلوس ، ورؤوسهم في مرقعاتهم ؛ فلما أحسوا بي قد دخلت ، أخرج أحدهم رأسه وقال : يا أبا القاسم ! أنت كلما قيل لك شيء تقبله ! . وبات الجنيد ليلة العيد في الموضع الذي كان يعتاده في البرية ، فإذا هو وقت السحر بشاب ملتف في عباءته يبكى ويقول :
--> ( 10 ) سبق الحديث عن النوري في الترجمة رقم ( 15 ) وأبو حمزة أيضا جاء ذكره في ترجمة النوري في الهامش رقم ( 7 ) . وأبو بكر الزقاق الكبير - أحمد بن نصر - في الترجمة رقم ( 21 ) . وقد ذكر ابن الجوزي في المنتظم ( 13 / 20 ) هذا الخبر في ترجمة محمد بن عبد اللّه ، أبو بكر الزقاق . وقد ذكر ابن الملقن أن أحمد بن نصر أبو بكر الزقاق - الكبير - من أقران الجنيد ، ولم يذكر ذلك في ترجمة محمد بن عبد اللّه ، فإن كان المقصود أحمد بن نصر ، فقد وهم ابن الجوزي وإذا كان محمد بن عبد اللّه فهو وهم من ابن الملقن . واللّه أعلم بالصواب .