ابن الحسن النباهي الأندلسي
95
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
« واللّه ! لقد تعمّدني منذر بخطبته ، وما عنى بها غيري ! فأسرف عليّ ، وأفرط في تقريعي ، ولم يحسن السياسة في وعظي ، فزعزع قلبي ، وكاد بعصاه يقرعني » واستشاط غيظا عليه ؛ فأقسم أن لا يصلي خلفه صلاة الجمعة خاصّة ؛ فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرّف صاحب الصلاة بقرطبة ، ويجانب الصلاة بالزهراء . فقال له الحكم : « فما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك ، والاستبدال منه إذ كرهته ؟ » فزجره وانتهره ، وقال له : « أمثل منذر بن سعيد في فضله وعمله وخيره « 1 » ؟ لا أمّ لك ! يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الحق « 2 » ؟ هذا ممّا لا يكون ! وإني لأستحي من اللّه أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه ! . ولكنّه « 3 » أحرجني ، فأقسمت . ولوددت أني أجد سبيلا إلى كفّارة يميني « 4 » ، بل يصلّي بالناس حياته وحياتنا ، إن شاء اللّه » . وقحط الناس « 5 » آخر مدّة الناصر لدين اللّه عبد الرحمن بن محمد . فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس ، فتأهّب لذلك ، وصام بين يديه أيّاما « 6 » ، تنفّلا ، وإنابة ، ورهبة . واجتمع له الناس في مصلّى الرّبض بقرطبة ، بارزين إلى اللّه تعالى في جمع عظيم . وصعد الخليفة الناصر في أعلى مصانعه المرتفعة من القصر ، ليشارف الناس ، ويشاركهم في الخروج إلى اللّه ، والضراعة له ، فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس ، وغصّت بهم ساحة المصلّى ، ثمّ خرج نحوهم ماشيا ، متضرّعا ، مخبتا ، متخشّعا ؛ وقام ليخطب ، فلمّا رأى بدار الناس إلى ارتقابه « 7 » ، واستكانتهم من خيفة « 8 » اللّه ، وإخباتهم له ، وابتهالهم إليه ، رقّت نفسه ، وغلبته عيناه ؛ فاستغفر « 9 » ، وبكى حينا ؛ ثم افتتح خطبته بأن قال : « سلام عليكم » ثمّ
--> ( 1 ) في نفح الطيب : « في فضله وخيره وعلمه » . ( 2 ) في نفح الطيب : « نفس ناكبة عن الرشد ، سالكة غير القصد ؟ » . ( 3 ) في الأصل : « ولاكنه » . ( 4 ) في نفح الطيب : « يميني بملكي » . ( 5 ) انظر مطمح الأنفس ( ص 41 ) وأزهار الرياض ( ج 2 ص 279 ) ونفح الطيب ( ج 1 ص 572 ) والروض المعطار ( ص 95 ) . ( 6 ) في نفح الطيب : « أياما ثلاثة » . ( 7 ) في نفح الطيب : « إلى ارتقائه » . ( 8 ) في الأصول : « خفية » ، وأثبتنا ما في نفح الطيب . ( 9 ) في نفح الطيب : « فاستعبر » .